إله العهد القديم: إله القسوة أو إله الرحمة؟

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

إله الكتاب المقدّس واحد في العهدين، القديم والجديد. يُخيَّل لكثيرين أنّهما مختلفان بل متناقضان، ظانّين أنّ إله العهد القديم هو إله حاقد ومنتقم وأنانيّ، ولا يُبالي بالبشر. عديم الشّفقة والإحسان، يأمر بالقتل، ويرضى بالشّر، وليس فيه شيء من الخير. فيرفضونه ويهاجمونه ولا يريدون الإنتماء إليه. يظنّون بالمقابل أنّ إله العهد الجديد محبّ ورحوم. يهب الخير والبركة ويمنح العطايا الصّالحة. الحقيقة هي أنّهم يجهلون طبيعة الذّات الإلهيّة الكاملة الأوصاف. يُخفقون في فهم إعلانه المتدرِّج والمتكافئ في التّعامل مع البشر منذ بدء الخليقة، مرورًا بأحداث العهد القديم، وصولًا إلى عهد النّعمة الجديد المصنوع بدم يسوع. صورة الله النّاقصة في إذهانهم، النّاتجة عن معرفتهم الخاطئة به، لا تُلغي ولا تَنفي الوحدة الجوهريّة بين العهدين.

يظهر الله من بداية الخليقة في سفر التّكوين، صالحًا يجود بالخير على خلائقه. يمنحهم إحسانه كنبع متدفّق وافر وفائض. بارك آدم وحوّاء يوم خلقهما مهيِّئًا للبشريّة كلّ مستلزمات الحياة والبقاء. حين أكمل عمل الخلق، "رأى الله كلّ ما عمله فإذا هو حسن جدًّا". تأمّل المرنّم بأعمال يدي الرّب الأمينة للإنسان فهتف، "الرّب صالح للكلّ، ومراحمه على كلّ أعماله. أعين الكلّ إيّاك تترجّى، وأنت تعطيهم طعامهم في حينه. تفتح يدك فتُشبع كلّ حيٍّ رضى".

تمتلئ صفحات العهد القديم بمحطّات تبيّن صلاح الله لأناس تنعّموا بجوده ورحمته. أنقذ لوطًا من دينونة سدوم وعمورة يوم رمّدها بالنّار بسبب شرورها. جعل إبراهيم  أبًا لجمهور من الأمم من زوجته العاقر المتقدّمة في السّن. ومن ثمّ بارك نسله فصار كرمل البحر ونجوم السّماء لا يُعَدّ من الكثرة. سمع صراخ شعبه في مصر بعد نيّف وأربعمئة سنة من الذّلّ والقهر والإستعباد. أنقذهم بذراعه القويّة من سلطة فرعون القاسية. سار معهم في القفر. حفظهم من الجوع والعطش أربعين سنة في البرّية. أرسل لهم المنّ والسّلوى من السّماء. ثيابهم لم تبلَ وأرجلهم لم تتورّم، ولم يعوزهم شيء حتّى وصلوا أرض كنعان. عصوا شريعته وأبَوا الإستماع له لكنّه ترفّق بهم. أطال أناته عليهم وهم نسوا مراحمه وعجائبه وعبدوا عجلًا ذهبيًّا سبكوه لأنفسهم.

ظهر لطف الله بوضوح في سفر القضاة. انتشر الفساد اجتماعيًّا وروحيًّا وأخلاقيًّا. راح كلّ واحد يعمل ما يحسن في عينيه لمدّة أربعمئة وخمسين سنة. أسلمهم الله لمضايقين عذّبوهم. لكن في كلّ مرّة تابوا فيها، كان الرّب يرحمهم وينقذهم من أعدائهم. في سفر دانيال رمى نبوخذنصّر الفتيان الثّلاثة في آتون النّار المحمّى سبعة أضعاف لأنّهم لم يسجدوا لتمثاله الذّهبي؛ فحرّرهم لله بمعجزة. ثمّ شهد دانيال لعناية الربّ بعد اختبار جبّ الأسود الجائعة، "إلهي أرسل ملاكه، وسدّ أفواه الأسود فلم تضرّني".

تغنّت أسفار العهد القديم بالله، "احمدوا الرّب لأنّه صالح، لأنّ إِلى الأبد رحمته". اعترف بجوده الأنبياء وأبطال الإيمان. أشاد به زكريّا النّبي، "ما أجوده! وما أجمله!" من يرفض هذا الإله يخسر بركاته. من يفتخر به يتمتّع بصلاحه. من يقبله يحظى برعايته ورحمته كلّ أيّام حياته.