الإدمان الإلكتروني وتأثيراته

الكاتب:
العدد:
السنة:

ترتبط آفة الإدمان غالبًا بالكحول والمخدّرات والجنس والقمار. قلّما يفتكر المرء في موضوع "الإدمان الإلكتروني". هل هو حالة إفتراضيّة منطقيّة أم هو واقع مرضيّ؟ هل حقًّا يُصاب به الإنسان بغير وعي منه ؟ كيف ينظر إليه المجتمع؟ وهل من طُرُق للتغلّب عليه؟    

 

ماهية الإدمان الإلكتروني ومفاعيله

          إنّ ظاهرة الإدمان الإلكتروني ليست جديدة. امتدّ الإنترنت إلى كافّة دوائر المجتمع من المعاملات الرسميّة إلى الأعمال التّجارية والإعلاميّة والماليّة والعلميّة، مرورًا بالثّقافة الجامعيّة والبحث والتّطوير. وَسَمَت الشّبكة العنكبوتيّة واقع الحياة المعاصرة. أسرت الإنسان، فصار آلة ناسيًا أنّ الحياة موجودة خارج إطار العالم الإفتراضي. غيّر إرتباط الفرد الوثيق بالإنترنت الكثير من المفاهيم الإجتماعيّة والقِيَم الأخلاقيّة والمبادئ الثقافيّة والإتّجاهات النفسيّة. ممّا سبّب خوفًا حقيقيًّا في المجتمع بحسب الجمعيّات الأمريكيّة المتخصّصة في علم النّفس الطبّي. الإدمان الإلكتروني مرض نفسي وفكري له عناصر الإدمان الطّبيعي وتأثيراته. وبالتّالي يحتاج إلى النّصح والإرشاد والعلاج باحتراف ومسؤوليّة. لكنّ المشكلة ليست في الإنترنت بحدّ ذاته. استخدامه ضروريّ في عصر السّرعة والتّواصل. لكنّه حين يمتلك الفرد،يأسره ويُبعده قسرًا عن الواقع الإجتماعي والحياتي.

النّظرة العلميّة للإدمان الإلكتروني

          تفيد الأبجاث العلميّة أنّ دماغ الإنسان يتفاعل مع الإنترنت لا إراديًّا. تتأثّر مكامن العاطفة والتّحليل فيه بكيفيّة تشبه الإدمان على المخدّرات. أظهرت دراسة طبّية أنّ النّظام الكيميائي في الخلايا الدّماغية العصبيّة يسبّب شعورًا بالسّعادة والإكتفاء في حالة الإدمان الإلكتروني. ثمّة عوامل بيولوجيّة مؤثِّرة في تحليل ماهيّة وكيفيّة هذا النّوع من الإدمان.

          تطوّر استخدام الكومبيوتر إلى الهواتف المحمولة والذّكيّة، مما سهّل ولوج العالم الإفتراضي بسرعةٍ قياسيّة. يمثّل الكمبيوتر والهاتف الخلوي وسائل إشباع مثيرة ومناسبة جدًا لخيال الفكر البشري. يزداد تعلّق الفرد بالإنترنت كلّما أكثر من استخدامه، فيدمن عليه. يؤكّد كلّ من تطبيق WhatsApp ووسائل التّواصل الإجتماعي إدمان المجتمع المعاصر الإلكتروني. يجب أن يُحسن المرء استخدام التّكنولوجيا الإلكترونيّة لتسهيل أعماله ومحادثاته من دون الإفراط اللاّوعي في استعمالها.

كيفيّة تشخيص الإدمان الإلكتروني

          لا يحدّد المعجم طبيعة الإدمان الإلكتروني. تساعد الأسئلة التّالية المرء ليدرك إذا كان مدمنًا إلكترونيًّا.

§        هل أنت متّخذ بالإنترنت، دائمًا تفكّر في الصّفحات الّتي ترتادها؟ وماذا تفعل عند دخولك إليها؟

§        هل تقضي أوقاتًا طويلة في استخدامه لأنّه يشعرك بالإكتفاء النّفسي والفكري؟

§        هل حاولت مرّة السّيطرة على عدد السّاعات الّتي تصرفها في استخدامه بدون هدف ولا نتيجة؟

§        هل تنزعج وتشعر بعدم الرّاحة حين لا تجلس أمام الحاسوب؟

§        هل تهمل من أجله إهتمامات ومسؤوليّات أخرى وضروريّة؟

§        هل خسرت من فرط استخدامه علاقات وصداقات عائليّة ومهنيةّ وإجتماعيّة؟

§        هل أثّر انغماسك في الإنترنت على مصداقيّك وصورتك الإجتماعيّة أمام الآخرين؟

§        هل تستخدمه للهروب من مشاكلك وإخفاء انزعاجات محدّدة؟

النّظرة الإجتماعيّة والكتابيّة للإدمان الإلكتروني والحلول الممكنة

توضح الإجابة الصّريحة الصّادقة على الأسئلة أعلاه هويّة الفرد الإلكترونيّة. ممّا يتيح فرصة العلاج وإمكانيّة البحث عن حلول فعّالة للإدمان عليه، والمفتاح هو في اعتباره مشكلة اجتماعيّة سلوكيّة علائقيّة أكثر منه آفة فزيولوجيّة أو بيولوجيّة. أجرت مجلّة متخصّصة مقاربة بين الإدمان الإلكتروني والإدمان على تناول الطّعام. فخلصت إلى القول أنّ هذا الأخير تهتمّ به العائلة والمجتمع فيرشدون المدمن لإتّباع حمية غذائيّة معيّنة للحفاظ على صحّته. أمّا الإدمان الإلكتروني المنتشر بشكل هائل في العالم الإفتراضي فتغيب عنه النّصيحة الحقيقيّة والمتابعة البنّاءة.

زارني صديق وزوجته ذات يوم. في معرض تبادل الحديث، كان يرمق هاتفه الذّكي بشكل ملفت ومستمرّ. تنبّه إلى نظراتي المستفسرة، فاستدرك شارحًا أنّه يتابع عمله من خلال الإنترنت. ولكي يزيد من قناعتي قدّم لي هاتفه لأطالع بنفسي ما يفعل. هذا هو العالم الإفتراضي غير الواقعي الّذي غزا أيضًا زياراتنا الإجتماعيّة والعائليّة والترفيهيّة. لكنّه أضحى واقعًا لا مفرّ منه لتسهيل أمور العمل وبعض شؤون الحياة. لا يمكن الإستغناء عنه لأغراض حميدة. من سيّئاته أنّه يحطّم الكثير من العلاقات العائليّة والإجتماعيّة والرّوحيّة. خطورته في عدم التحكّم به. يقود إلى مشاهدة البورنوغرافيا ولعب القمار والدّعارة الإلكترونيّة. يشبه في ذلك الإدمان على برامج الشّاشة الصغيرة أو النّوم المفرط، أو ممارسة الألعاب الإلكترونيّة. لا تمتّ "وسائل التّواصل الإجتماعي" إلى الإجتماعيّات بصلة. إنّها تدمّر التّواصل الحقيقيّ بين مختلف فئات المجتمع العمريّة. وتأسر بشباكها الإفتراضية أساليب التطوّر الإجتماعي الهادف والبنّاء. يجب إخضاع الإنترنت ضمن الضّوابط والأطر الإجتماعية والرّوحية المفيدة.

          تساعد مواكبة التّطوّر الإجتماعي والتّكنولوجي فهم طبيعة الإدمان الإلكتروني، وتحديد الأسس الصّالحة لعلاجه. الإعتدال في استخدام الإنترنت، يساهم في الحدّ من هذه الظاهرة، ويقوّي العلاقات السّليمة والمستقرة. ترسم كلمات الرّسول بولس واقعّا مسيحيًّا فريدًا في نسج علاقات ناجحة، فيقول: "فإن كان وعظ ما في المسيح، إن كانت تسلية ما للمحبّة، إن كانت شركة ما في الرّوح، إن كانت أحشاء ورأفة، فتمّموا فرحي حتّى تفتكروا فكرًا واحدًا ولكم محبّة واحدة بنفس واحدة مفتكرين شيئًا واحدًا". حذار الإستخدام المفرط للإنترنت فسيقود حتمًا إلى الإدمان الإلكتروني، وسيؤدّي إلى أزمات نفسيّة وعائليّة وإجتماعيّة. أمّا الإستخدام المعتدل فيؤسِّس لبناء علاقات أفضل في مجتمع تسوده الإلفة والإنفتاح وروح التّعاون الحقيقيّ.