التّعبير عن المحبّة

العدد:
السنة:

تخرّج داني من كليّة الهندسة وسافر للعمل خارج البلاد. عاش وحيدًا حتّى التقى برامي، شاب من موطنه. رحّب به في بيته، واحتضنه، وسدّد احتياجاته. توطّدت العلاقة بينهما إلى الصّداقة الحميمة. أسّسا معًا شركة صغيرة ما لبث أن كبُرت وتوسّعت وتفرّعت. تعلّقا بشدّة ببعضهما لدرجة أنّ رامي تخلّى عن فتاة أحلامه لصديقه حين فُتن بها. فتزوّج داني بالفتاة الّتي كانت حلم حياة صديقه.  

مرّت الأعوام وحنّ داني للوطن. قسم الأملاك مع صديقه وغادر المهجر. نجح في البلد، وازدهر عمله، وجنى أموالًا طائلة. أما رامي فتراجعت استثماراته ثمّ خسر كلّ ممتلكاته. عندها قرّر العودة إلى وطنه. ذات يوم، التقى صديقه القديم في الطّريق. تظاهر داني بأنّه لم يره وأسرع من أمامه. حزن رامي كثيرًا مستغربًا معاملة صديقه له وقد ضحّى بحياته من أجله.

بعد بضعة أيّام صادف رامي عجوزًا عرض عليه إدارة شركته. اجتهد في عمله الجديد بأمانة ومهنيّة عالية. أحبّه صاحب الشّركة فوهبه جزءًا من ممتلكاته قبيل وفاته. بعدئذ تقدّمت أرملة الرّاحل وعرضت عليه الزّواج من ابنتها. دعا رامي صديقه القديم إلى حفل زفافه. لبّى داني الدّعوة. ولدى دخوله وعائلته قاعة الإحتفال وقف رامي وعاتبه أمام الجميع. قال، "هذا صديقي، احتضنته في بلاد الغربة. تقاسمت معه كلّ شيء متعاهدَين الوقوف معًا في السّرّاء والضّرّاء. لكنّه اليوم يتجاهلني متنكّرًا لمعرفتي". أجاب داني والدّموع في مقلتيه، "تجاهلتك حرصًا منّي لعدم جرح مشاعرك فأنا اغتنيت جدًّا وأنت وصلت إلى الحضيض. بدا لك صدفة إدارتك لشركة أبي. أنا أرسلته إليك، وأنا طلبت منه توريثك جزءًا من ثروته، وأنا رتّبت زواجك من أختي". صُعق رامي وارتمى في حضن صديقه طالبًا الصّفح عن سوء ظنّه به.

تختلف طرق التّعبير عن المحبّة بتنوّع طبائع النّاس وشخصيّاتهم. يعبّر البعض عن عواطفه بالكلام فقط وليس بالأفعال. أسلوب سهل وسريع ولا يتطلّب مجهودًا. يُظهر البعض الآخر محبّته عمليًّا، مباشرة أو خِفية. لا يجيدون توصيف الكلام لكنّهم  يتفانون في سبيل أحبّائهم. ليسوا أنانيّين يطلبون ما هو لأنفسهم، إنّما يفتكرون بمصالح الغير قبل فائدتهم الشّخصيّة. ثمّة صنف ثالث من النّاس يطابق بين الموقفين. يمتلكون قوّة التّعبير الكلامي الصّادق ويندفعون للفعل الجدّي في آن واحد. قال يسوع، "ليس لأحدٍ حبٌّ أعظم من هذا، أن يضع أحَدٌ نفسه لأجل أحِبَّائه" (يو 15: 13).

المطلوب فهم طبائع النّاس وشخصيّاتهم قبل تقييم تصرّفاتهم. المحبّة لا تظنّ السّوء. يوصي الرّب أولاده ألّا يحكموا في شيء قبل الأوان. يأتي الوقت حين تُكشف النّوايا وآراء القلوب، عندها يكون المدح لكلّ واحدٍ من الله.