الشعور بالذنب

الكاتب:
العدد:
السنة:

الشعور بالذنب، من المشاعر التي غالبًا ما يختبرها الإنسان في حياته. قد تتأتى هذه المشاعر من أسباب عديدة، إما بسبب خطأ نقترفه ضد إنسان آخر، ولم نقر به. أو بسبب موقف ضعيف اتخذناه في قضية معينة اكتشفنا لاحقًا ضرره. أو بسبب تقصيرنا في  القيام بعمل صالح كان يجب أن نقوم به، أو أي أمر سلبي آخر، جعلنا نشعر بالذنب.

هذا الشعور بالذنب رافق الإنسان منذ فجر التاريخ، منذ أن أخطأ آدم وحواء وأكلا من ثمر الشجرة التي في وسط الجنة، والتي أوصاهما اللّه أن لا يأكلا  منها. فبعد أن خالفا وصية اللّه، وبينما كان الرب الإله ماشيًا  في الجنة، سمع آدم وحواء صوت اللّه، فشعرا بذنبهما، وأدركا بأنهما تمردا على كلامه. لهذا خافا واختبآ من وجه الرب. "فنادى اللّه آدم قائلاً: آدم أين أنت؟ فأجاب آدم، سمعت صوتك في الجنة، فخشيت لأني عريان فاختبأت" (تك 3: 9). ومن اختبار آدم نلاحظ أن الشعور بالخشية والخوف والقلق وعدم الأمان، يرافق الشعور بالذنب بعد اقتراف خطية أو خطأ ما. وقول آدم للّه: "إني عريان"، يعني أنا من دون حماية، أنا لا أشعر بالأمان. ولهذا اختبأ آدم وحواء من وجه اللّه، لكي لا يراهما على حقيقتهما. فهناك جزء خفي فينا نخجل منه، لا نريد أن نظهره لأنه يحرجنا ولأننا لا نريد أن يكتشفه أحد فينا، وهو ما يجعلنا نشعر بالذنب.

لكن السؤال الذي يطرح نفسه، كيف نتعامل مع أخطائنا التي تشعرنا بالذنب؟ هل نبرّرها؟ كثيرًا ما يلجأ الإنسان إلى تبرير أخطائه ليرتاح من الشعور بالذنب. هل نخبىء أخطاءنا عن اللّه؟ كما حاول أن يفعل آدم وحواء. هل نتجاهلها؟ فالكثير من الناس يحاولون أن يكبتوا ويتجاهلوا مشاعرهم بمحاولة إظهار أنفسهم بأنهم متماسكون وممتلكون لأعصابهم. إلا أن ذلك قد يزيد الشعور بالذنب، لا سيما عندما يقترف الناس أخطاء كبيرة. فمتى استفحل الشعور بالذنب، فإنه يؤدي إلى مخاوف وأمراض واضطرابات كثيرة. والكثير من الناس يصابون عندها بحالات انهيار عصبي. في كتابه "العقاب والجريمة"، يسلّط الكاتب الروسي دوستويفسكي، الضوء على شخصية في القصة، اقترفت جريمة، ويركز على ما رافق عدم اعترافه بالجريمة، من وضع  نفسي صعب وأمراض وتوترات. فذلك المجرم لم يستطع أن يتحمل آلامه النفسيّة. فذهب إلى الجبال والأودية ليصرخ بصوت عالٍ ويعترف بجريمته. وعندما سلّم نفسه للسلطات الأمنية، ودخل السجن، عبّر عن شعوره بالراحة، قائلاً: "لقد وجدت راحتي في السجن لأن سجن الشعور بالذنب وعدم الاعتراف هو أقسى وأمرّ بكثير من سجن القضبان الحديدية." قال الحكيم سليمان: "من يكتم خطاياه لا ينجح، ومن يقرّ بها ويتركها يرحم". في كتابه "الشعور بالذنب والنعمة"، قال محلّل نفسي مسيحي يدعى پول تورنييه، "إن المسيح يسوع يوقظ فينا الشعور بالذنب، لا ليديننا ولكن ليخلّصنا منه بغفرانه لنا".

وفي نفس السياق، يقول المصلح مارتن لوثر، "أن العلاج لمشكلة الشعور بالذنب، هو ليس بتبرير الخطأ ولا الهروب منه وتجاهله، لأن الهروب منه يؤدي إلى قساوة القلب، ويؤدي إلى موت الضمير وإلى غياب العلاج لاضطرابات الإنسان التي تسبّبها الخطية. فالعلاج لمشكلة الشعور بالذنب، هو الإقرار به والاعتراف بالإثم لغافر خطايانا يسوع المسيح". يقول المرنم في "إن راعيت  إثمًا في قلبي، لا يستمع  لي الرب" (مز 66: 18). الاعتراف بالذنب، هو الخطوة الأولى نحو التوبة واختبار نعمة اللّه. الاعتراف بالذنب يصفع كبرياءنا صفعة كبيرة. الاعتراف بالذنب، يحتوي على قوة حيوية، تمنحنا الشفاء وتعيد لنا العلاقة الشخصية مع اللّه، فنسمع صوته ونصغي لإرشاده. لخّص أحد القديسين أهمية الاعتراف بالذنب بقوله: "الاعتراف بالذنب هو مقياس وعي حضور اللّه في حياتنا".