الله العليّ... هل تعرفه؟

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

يُطلق الكتاب المقدّس أسماء وألقابًا متعدّدة لله، يُعمّق التبحّر في معانيها نشاط المؤمن التعبّدي وتكشف مدلولاتها أبعادًا في علاقة الشّركة المتبادلَة بين الله والإنسان. أمّا معرفة القدّوس تسبق الهَيْمانَ به. فتكامل صورته في الذّهن تسبر أغوار الذّات الإلهيّة دافعة نحو الشّغف به. تركّز هذه المقالة على الإسم "الله العليّ"، في العبريّة "إيل إليون". 

 

الإله الأعلى

يشير الإسم "إيل إيليون" – أو الله العليّ - إلى سموّ الله وتفوّقه. هو سيّد الأكوان والخلائق ورأس الكنيسة ومخلّصها. رآه إشعياء النّبي في الهيكل "جالسًا على كرسيٍّ ومرتفع". عبدت عشيرة إبراهيم في أور الكلدانيين آلهة وثنيّة متعدّدة. أمّا هو فاتبع الله الّذي كان يكشف له ذاته تدريجيًّا. وكان أنّه عندما التقى ابراهيم بَملكي صادق أنّه تعرّف بواسطته على لقب جديد لله إذ منحه بركة "من الله العليّ مالك السّموات والأرض". عندها أدرك أبو المؤمنين في هذه البركة، أنّ من ظهر له في بلاد ما بين النّهرين وتبعه بالإيمان إلى كنعان، هو الإله الحقيقي وحده، خالق السّموات والأرض، ومالكها، ومالئها. وهو إله فريد في سمّوه؛ لا مثيل له بين آلهة الأمم وهو فوقها جميعها.

 

وإذ يعبد البشر أصنامًا حجريّة ملموسة، أعلن يسوع للمرأة السّامريّة جازمًا أنّ  "الله روح" وهو فوق جميع المرتفعات. وبالتالي عبادة الله "ليست في هذا الجبل أو ذاك" حيث تنتصب سواري الإلهة على مرتفعاتها، "ولا في أورشليم" أو أيّة مدينة مقدّسة، إذ يُعبَد بالرّوح والحقّ في كلّ مكان. يدعونا الله العليّ قائلًا، "التفتوا إليّ واخلصوا يا جميع قبائل البشر".

 

الإله الأقوى

يُبرز الإسم "الله العليّ" أيضًا قوّة الله وجبروته. حارب ابراهيم أربعة ملوك أشدّاء. انتصر عليهم واستردّ لوطًا ابن أخيه. وهذا ما أظهره ملكي صادق بعد المعركة، بصلاته "مُبارك الله الْعليّ الّذِي أسلم أعداءك في يدك". فابراهيم انتصر بمعونة العليّ، العظيم القدرة، والأشدّ من جميع الملوك متحدين. وفي الحياة، يواجه كلّ مؤمن أعداء أقوياء، ومقاومين أشدّاء، ويجتاز صعوبات أكبر منه. والحلّ يأتي دائما من الرّب الّذي يحرّره من قبضتهم. الله متفوّق بالقوّة. يصغر أمامه حجم الأعداء ولو كثروا. لايصمد كبير أمامه حتّى جليات الجبّار، نبوخذ نصّر، الأسود الجائعة، ولا حتّى أنواء البحر الهائجة. يضعف المؤمن حين يُركّز عينيه على المخاطر، فلا يتطلّع بشكل كاف إلى الله الأقوى. يسأل المرنّم، "هل أرفع عينيّ إلى الجبال؟ أمِن هناك يأتي عوني". ثمّ يجيب "معونتي من عند الرّب صانع السّموات والأرض". ففي إيل إيليون ذروة القوّة، وهو كلّي القدرة، وملك الملوك، وربّ الأرباب.

 

عندما أدرك ابراهيم أنّ مصدر انتصاره هو الإله الأعلى، قدّم له عشوره. تنبع أهمّية تقدمات العابدين من عظمة الإله السّاجدين أمامه. ينتصر المؤمن بقوّة الله على أعدائه في أيّام الأسبوع. فيجلب بفرح وشكر في يوم الرّب أمواله ويقدّمها بامتنان وتهلّل وتكريس. وهو يقرّ أنّ الله العليّ هو المالك الحقيقي والوحيد لكلّ ما له، وهو مجرّد وكيل أمين على ودائعه.

 

الإله السيّد

يكشف لقب الله العليّ النّقاب عن رياسته وسلطانه. بعد معركة الملوك منح ملك سدوم إبراهيم الغنائم. فأجابه، "رفعت يدي إلى الرّبّ الإله العليّ مالك السّماء والأرض لا آخذنّ لا خيطاً ولا شراك نعل ولا من كلّ ما هو لك فلا تقول، أنا أغنيت أبرام". يصرّح بهذا أنّه إذا اغتنى أو افتقر سيبقى يمجّد الله سيّده الأعلى، المسيطر في شؤون النّاس، والذّي "يعطيهم القوّة لاصطناع الثروة". لا ينبع الإكتفاء المادّي والقناعة الرّوحيّة والصّفاء الذّهني من الملوك والممتلكات بل من الله العارف ما في قلب الإنسان وما في حوزته.

 

يملك الله الأرض ومِلأها. يتحكّم بالمسكونة والسّاكنين فيها. لا تسعه سماء السّموات. لا يستشير الإنسان ولا يستأذنه. وهو مكتفٍ بذاته ويفعل ما يشاء. يخيّر البشر لاتّخاذ قراراتهم لكنّه يعرف ما يفعلون وما تؤول إليه النّتائج. لنعلم أن سيادة الله هو موضوع كبير بحجم الله خالق السّماء والأرض ومالئ كلّ أجزاء الوجود.

التّطبيق العملي

يترجم المؤمن إسم الله العليّ في حياته بالصّلاة والطّمأنينة. يطلب رحمته ويرتاح. أنشد المرنّم، "ارحمني يا الله ارحمني لأنّه بك احتمت نفسي وبظلّ جناحيك أحتمي إلى أن تعبر المصائب، أصرخ إلى الله العليّ إلى الله المحامي عنّي". يتطلّع العابد إلى "إيل إيليون" فيرى أعداءه وضيقاته وتجاربه صغيرة لا تُقارن بقوّته وسموّه، فهو عالٍ على كلّ الأمم والشّعوب.

يثق المؤمن أيضًا بكلام الرّب. "أحمدك من كلّ قلبي. قدّام الآلهة أرنّم لك. أسجد في هيكل قدسك وأحمد اسمك على رحمتك وحقّك لأنّك قد عظّمت كلمتك على كلّ اسمك". كلام الإنسان يدلّ على ذاته. حديث تافه وبلا مصداقيّة يشير إلى إنسان سخيف لا تثق النّاس بكلامه. أقوال دنسة تعني فكرًا غير نقيّ. هكذا ببساطة، الله القدّوس كلامه مقدّس، وهو إله منزّه عن الخطأ وكلامه معصوم، وهو ربّ متفوق كلامه مرتفع. من يجد مشكلة مع الكتاب المقدّس تكون علاقته بالله مضطربة ولا يثق به كالله العليّ.

الإيمان بسيادة الله يحرّر المؤمن من الخوف والقلق وينصره على مشاكل الحياة المستعصية، ويجعله يتيقّن من قدرة إلهه على تحقيق وعوده وتتميم مقاصده الخيّرة. من يؤمن بالله العليّ يتغنّى برعايته في وادي ظلّ الموت، ويثق أنّه يغلب العالم بإيمانه. حاول الشّيطان، ذات يوم، السّيطرة على عرش الله وإقناع الملائكة  أنه عليٌّ، "وأنت قلت في قلبك أصعد إلى السّموات، أرفع كرسيّي فوق كواكب الله، وأجلس على جبل الإجتماع في أقاصي الشّمال. أصعد فوق مرتفعات السّحاب. أصير مثل العليّ". إلّا أن أمنيته لم تحقّق مرّة في تاريخ الكون ولن يتمكّن. كان الروح النجس يصرخ مسترحمًا وهو يخرج بأمر يسوع، طالبًا منه:  "بصوت عظيم ما لي ولك يا يسوع ابنَ الله العليّ. أطلب منك أن لا تعذّبني". وهكذا نرى أن الملائكة تعرفه والشّياطين تقرّ به، أمّا الكتبة والفريسيّون المجتهدون في تفسير الشّريعة فلم يدركوا أن يسوع  هو "الله العليّ".

"إيل إيليون" تعني أن الله هو علّة الوجود، الإله الأزليّ، الله الحي، الرّحوم، العظيم، إله الأمانة، الإله الحقّ، العادل، البارّ، الكامل، المرتفع فوق كلّ شيء، المتفوّق على كلّ شيء، والسّائد في السّماء وعلى الأرض. فليتقدّس اسمه!