لماذا الحياة صعبة؟

الكاتب:
العدد:
السنة:

"لماذا الحياة صعبة؟" هذا سؤال عام يناقش معاناة الصّغير والكبير، الضّعيف والقوي، الفقير والغني، العلماني والكاهن، الطّالح والصّالح. الجميع يواجهون أنواعًا من الألم ويطرحون أسئلة صعبة من نحوها. قبل الإجابة يجب الوقوف على أرضيّة لاهوتيّة صلبة. فالقضيّة ليست صيرورة المتألّم بحال أفضل بقدر اختباره حضور الله وسط ظروفه الصعبة.  

إجابات وردود

لا يتوقّع الملحد الّذي لا يؤمن بوجود الله حياة خالية من المصائب لكنّه يسعى لحياة أهنأ. وبالنّسبة إليه لا داعي من طرح السّؤال عن سبب وجود مصاعب الحياة المتنوّعة إذ هي تحدث ولا تحتاج إلى تفسير. طبعًا لا يقتنع المسيحيّ بهذا الموقف رغم تزاحم الأفكار في عقله وتصارعه مع إيمانه، فهو لا يقبل بأيّة حال أنّ الكون الجميل والمتقن ومعه الكائنات العاقلة الحسّاسة الأخلاقيّة والكائنات غير العاقلة الجامدة هو نتيجة خلق عبثيّ.

وهناك بعض المفكّرين يؤمنون بالآلهة غير الصّالحة والغامضة أخلاقيًّا. فالحياة بالنّسبة لهؤلاء صعبة لأنّ "السّلطات العليا" ترسل الجوع والأوبئة والأعاصير والحروب والمآسي إلى النّاس. بينما الآلهة الصّالحة، على ما يبدو، غير مهتمّة بالخليقة التي أوجدتها. أصحاب هذه النّظرة، حتى ولو كانوا يؤمنون بوجود إله واحد خلق السّموات والأرض، يقدّمون الحجج بأنّه ليس صالحًا بالكلّية لذا يتركهم يتألّمون. وجهات النّظر هذه تتعارض مع المسيحية الّتي تستند في إيمانها على محبّة الله الفائقة والرّحومة.

ثمّة جواب ثالث على شدّة الحياة، أطلقه الكاتب المحافظ هارولد صموئيل كوشنِر بعد وفاة ابنه المراهق، في كتابه "حين يواجه الصّالحون المآسي!" يقول فيه إنّ الله ضعيف وغير مسؤول. وغير قادر بشكل كافٍ أن يحمي من مواجهة المصاعب والأخطار. هو يريد، لكنّه لا يقدر إيقاف الأوبئة والسّيطرة على الأنواء والزّلازل. يختلف المسيحيّون جذريًّا مع هارولد. يرون الله كلّي القدرة والحكمة والوجود، إله القصد والهدف، والمسؤول عن خليقته وعمّا يحدث في العالم.  

أساس الموقف المسيحي

يؤسّس المسيحيّون إيمانهم اللّاهوتي على الكتاب المقدس. يرون الله صالح وقدير، وفي نفس الوقت يقرّون بأنّ الحياة قاسية وصعبة. تصيب المآسي الأبرار الّذين يكرمون الله في حياتهم، والأشرار الّذين لا يحسبون له حسابًا. حتّى الأطفال الأبرياء يواجهون الأخطار والموت. إنّهم يرفضون وجهة نظر اللاّ  إله، ونظرة الإله السيّئ، وحجّة الإله الضّعيف. كيف إذا يفسِّرون وجود الألم وصعوبات الحياة؟

صنع الله السّموات والأرض بقوّته الرّفيعة والشّاملة. خلق الإنسان على صورته ومثاله وأسند إليه مسؤوليّة المحافظة على الأرض والإهتمام بها. ثمّ وضع حدودًا لحرّيته حين أوصاه بألاّ يأكل من شجرة معرفة الخير والشرّ الّتي في وسط الجنّة. تغيّر كلّ شيء بعد العصيان وبدأ ينحلّ ويفسد. انكسرت العلاقة الحميمة المتكاملة بين الرّجل والمرأة وصار كلّ واحد يلوم الآخر. خسرا الصّداقة والشّركة مع الله وباتا يختبئان منه. إنهار نظام الطّبيعة الخلاّبة وراحت تنتج "شوكًا وحسكًا". أصبحت المرأة تختبر الألم في الولادة، والرّجل يعاني التّعب في العمل. أُغلقت أبواب الجنّة وأًقصي الإنسان منها ولم يعد يتمتّع بها في أيّامه على الأرض. لقد كسرت خطيّة الإنسان نظام الله الصّالح لخليقته "الحسنة جدًّا". لكنّ الله كان قد هيّأ خطّة ليعيد تحفة الخليقة المكسورة إلى روعتها الأولى.  

خطّة الله

يتعذّر فهم الصّلة بين التّجربتَين الإنسانيّة والكونيّة، ويستحيل تغييرها. يفسّر الرّسول بولس هذه العلاقة بالتّصريح، "لأنّ انتظار الخليقة يتوقّع استعلان أبناء الله" (رو 8: 19). حين ينجز الله عمله مع البشر في نهاية الأيّام سوف ينقذ الخليقة فتستعيد نظامها الأوّل. قصد الله منذ البداية أن يُخضِع الخليقة لسيطرة الإنسان. هذا يعني إذا أخطأ الإنسان تتأثّر الأرض أيضًا. وعندما يحرره الله نهائيًّا من عبوديّة الخطيّة والفساد سوف تتمتّع الخليقة بهذه الحرية كذلك الأمر. وحتّى ذاك الحين، لن تكون الخليقة في سلام بل في اضطراب. "فإنّنا نعلم أنّ كلّ الخليقة تئنّ وتتمخّض معاً إلى الآن. وليس هكذا فقط بل نحن الّذين لنا باكورة الرّوح نحن أنفسنا أيضاً نئنّ فِي أنفسنا متوقّعين التّبنّي فداء أجسادنا" (رو 8: 22 و23).

إذًا، أفسدت خطيّة الإنسان الخليقة الخلّابة الخيِّرَة. أمّا فداء المسيح فيجدّدها. ويشمل الرّجاء المسيحي حياة أبديّة في السّماء، وأرضًا جديدة يسكن فيها البرّ. لم ينظّم الله لعبة دومينو كونيّة بين الإنسان والطّبيعة. ينقر حجرًا واحدًا فتسقط الأحجار الباقية. إنّما صنع إنسانًا حرًّا يقرّر بإرادته فعل الصّلاح أو فعل الشّر. لم ينتهِ عمل الله في الإنسان وفي الخليقة. سيأتي اليوم حين يُعيد كلّ شيء إلى ما يجب أن يكون عليه دائمًا. في الوقت الحاضر يعيش أولاد الرب مرحلة انتظار وصلاة مدركين أن "كلّ الأشياء تعمل معًا للخير". يميّزون قوّة الله العاملة مع صلاحه، وسيادته مع محبّته، وعدالته مع رحمته. قد لا يفهمون كلّ طرقه لكنّهم يشعرون بحضوره في حياتهم، ويقبلون النّتائج. إيمانهم بهذا الإله يحميهم ويحفظهم.  

الخلاصة

الثّقة بإله الكتاب المقدّس تنير سُبل الإجابة على أسئلة اللّماذا المشتعلة في ذهن الإنسان. أعلن يسوع بحياته وموته وقيامته محبّة الله وصلاحه وقدرته ومشيئته الخيّرة. مغامرة الإيمان مرساة للنّفس، تهديها وتحميها وسط أنواء الحياة الصّعبة. يقبل المؤمن ما لا يفسّره عقله. يرى ذراع الله الأبديّة تحيط به وتحمله في زمن الشرّ والخوف والإحباط. يتخطّى مآسيه بالإيمان ويستمرّ في التقدّم على الرغم من قسوة الحياة.