معمودية الإيمان

الموضوع:
العدد:
السنة:

جاء يوحنا المعمدان يُعمّد تمهيدًا لمجيء المسيح. لم تكن معموديته بدون كرازة. كان يعظ أوّلاً . "وَفِي تِلْكَ الأَيَّامِ جَاءَ يُوحَنَّا الْمَعْمَدَانُ يَكْرِزُ فِي بَرِّيَّةِ الْيَهُودِيَّةِ. قَائِلاً: تُوبُوا، لأَنَّهُ قَدِ اقْتَرَبَ مَلَكُوتُ السَّماوَاتِ" (مت 3: 1-2). مضمون رسالته يعكس البشارة التي أرادها الرّبّ للناس إذ يُريد خلاصهم. "فَاللهُ الآنَ يَأْمُرُ جَمِيعَ النَّاسِ فِي كُلِّ مَكَانٍ أَنْ يَتُوبُوا، مُتَغَاضِيًا عَنْ أَزْمِنَةِ الْجَهْلِ." والله "يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ النَّاسِ يَخْلُصُونَ، وَإِلَى مَعْرِفَةِ الْحَقِّ يُقْبِلُونَ"؛ "وَهُوَ لاَ يَشَاءُ أَنْ يَهْلِكَ أُنَاسٌ، بَلْ أَنْ يُقْبِلَ الْجَمِيعُ إِلَى التَّوْبَةِ" (أع 17: 30؛ 1تي 2: 4؛ 2بط 3: 9).

الله يتعامل مع كل إنسان ولا يترك أحدًا ولا يدعوه. ونحن أيضًا قد سمع كلّ واحد منّا الإنجيل بطريقة ما أو من خلال شهادة شخص ما. إلّا أنّ الناس صارت متقسيّة ولم تعد تسمع البشارة ولم تعد تتوب. لكن في ذلك اليوم – على ضفاف نهر الأردن - كان هناك افتقاد إلهيّ كبير. والناس تجاوبوا مع دعوة المعمدان لهم وكانوا يتوبون. "حِينَئِذٍ خَرَجَ إِلَيْهِ أُورُشَلِيمُ وَكُلُّ الْيَهُودِيَّةِ وَجَمِيعُ الْكُورَةِ الْمُحِيطَةِ بِالأُرْدُنِّ، وَاعْتَمَدُوا مِنْهُ فِي الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ" (مت 3: 5-6). لم تكن معموديّتهم فرضًا طقسيًّا قائمًا بحدّ ذاته، بل كانت مرتبطة باعترافهم بخطاياهم. فالمعمودية لم تكن لتُخلّصهم من خطاياهم، بل كانوا يتخلّصون منها باعترافهم بها، ويتعمّدون تأكيدًا لتوبتهم.

هذا ما عاد ولخّصه بطرس الرسول بتصريح دقيق حول دواعي المعمودية في العهد الجديد: "الَّذِي مِثَالُهُ يُخَلِّصُنَا نَحْنُ الآنَ، أَيِ الْمَعْمُودِيَّةُ. لاَ إِزَالَةُ وَسَخِ الْجَسَدِ، بَلْ سُؤَالُ ضَمِيرٍ صَالِحٍ عَنِ اللهِ، بِقِيَامَةِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ" (1بط 3: 21). يا لها من أيام مباركة عندما كان الناس يتجاوبون مع البشارة والدعوة للمعموديّة بلا تردّد. "وَخَرَجَ إِلَيْهِ جَمِيعُ كُورَةِ الْيَهُودِيَّةِ وَأَهْلُ أُورُشَلِيمَ وَاعْتَمَدُوا جَمِيعُهُمْ مِنْهُ فِي نَهْرِ الأُرْدُنِّ، مُعْتَرِفِينَ بِخَطَايَاهُمْ" (مر 1: 5).

يسوع  يقبل المعموديّة

وها يسوع يأتي إلى يوحنا المعمدان من الجليل. يقطع ستًّا وتسعين كيلومترًا ليصل إليه. ويُفاجئه أنّه يُريد أن يعتمد منه. المعمدان بتواضع يُحرَج ويُحاول أن يتهرّب من المهمّة إذ اعتبر انّه غير أهل لذلك، وهو الأصغر والمسيح أعظم منه، وهو "القدوس وابن العليّ" - الّذي "فِيهِ سُرَّ أَنْ يَحِلَّ كُلُّ الْمِلْءِ" (كو 1: 19). فكيف يُعمّده؟ أحيانًا يُعطى رجل الله امتيازًا لا يعرف مداه. لكن يأتي وقت يعود ويفهم لماذا تعامل الرّبّ معه هكذا. هذا ما حصل فيما بعد مع بطرس عندما اعترض لغسل يسوع قدميه.

"أَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُ: لَسْتَ تَعْلَمُ أَنْتَ الآنَ مَا أَنَا أَصْنَعُ، وَلكِنَّكَ سَتَفْهَمُ فِيمَا بَعْدُ. قَالَ لَهُ بُطْرُسُ: لَنْ تَغْسِلَ رِجْلَيَّ أَبَدًا! أَجَابَهُ يَسُوعُ: إِنْ كُنْتُ لاَ أَغْسِلُكَ فَلَيْسَ لَكَ مَعِي نَصِيبٌ. قَالَ لَهُ سِمْعَانُ بُطْرُسُ: يَا سَيِّدُ، لَيْسَ رِجْلَيَّ فَقَطْ بَلْ أَيْضًا يَدَيَّ وَرَأْسِي" (يو 13: 7-9).

هنا نرى أن يسوع وبينما هو الرّبّ أخلى نفسه بتواضع ووُجِد في الهيئة كإنسان، وبالتالي لن يقبل يسوع إلاّ وأن يكون طائعًا لكلّ ترتيب إلهي (في 2: 7، 8). وهكذا أصرّ يسوع وقال للمعمدان: "اسْمَحِ الآنَ، لأَنَّهُ هكَذَا يَلِيقُ بِنَا أَنْ نُكَمِّلَ كُلَّ بِرّ. حِينَئِذٍ سَمَحَ لَهُ." (مت 3: 15). نعم يسوع يُطيع الترتيب الإلهي – أو قُلْ التدبير الإلهي - المعمول به يومها على يدّ يوحنا. فشعار يسوع كان: "طَعَامِي أَنْ أَعْمَلَ مَشِيئَةَ الَّذِي أَرْسَلَنِي وَأُتَمِّمَ عَمَلَهُ" (يو 4: 34).

المسيح يُريدنا أن نتشبّه به. "لأَنِّي أَعْطَيْتُكُمْ مِثَالاً، حَتَّى كَمَا صَنَعْتُ أَنَا بِكُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ أَيْضًا." (يو 13: 15). علينا أن نتواضع ونُخلي أنفسنا. هناك انتفاخ داخلي يزول أمام مياه المعموديّة. التائب المُخلِص لا يعود يطلب ما لنفسه. بل يصير مستعدًّا أن يفعل كلّ شيء ليُبرهن اتضاعه أمام المسيح. "لكِنْ مَا كَانَ لِي رِبْحًا، فَهذَا قَدْ حَسِبْتُهُ مِنْ أَجْلِ الْمَسِيحِ خَسَارَةً. بَلْ إِنِّي أَحْسِبُ كُلَّ شَيْءٍ أَيْضًا خَسَارَةً مِنْ أَجْلِ فَضْلِ مَعْرِفَةِ الْمَسِيحِ يَسُوعَ رَبِّي، الَّذِي مِنْ أَجْلِهِ خَسِرْتُ كُلَّ الأَشْيَاءِ، وَأَنَا أَحْسِبُهَا نُفَايَةً لِكَيْ أَرْبَحَ الْمَسِيحَ" (في 3: 7، 8).

المؤمن يعتمد بلا تردّد

عند التائب المُخلِص لا شيء أعزّ من الرّبّ يسوع. وهكذا يأتي إليه بالتوبة والإيمان والمعمودية. عجيب أمر الناس. فبعضهم يرفض عرض التوبة في الوقت الّذي يُريد كلّ بركات الله. والبعض يُريد الإيمان والغفران والخلاص دون المعموديّة. والبعض يرفضها والبعض يُهمِلها والبعض يتردّد بالقبول بها والبعض يتوانى عنها. قال حنانيا الدمشقيّ لشاول الطرسوسي: "وَالآنَ لِمَاذَا تَتَوَانَى؟ قُمْ وَاعْتَمِدْ وَاغْسِلْ خَطَايَاكَ دَاعِيًا بِاسْمِ الرَّبِّ" (أع 22: 16). سؤال حنانيّا لشاول التائب: لماذا تتوانى؟ يستدعي التفكير المُعمّق من الّذين يتوانون في طلب المعموديّة. أيا تُرى ألم يعرفوا أن يسوع هو من أمر تلاميذه: "فَاذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ الأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِاسْمِ الآب وَالابْنِ وَالرُّوحِ الْقُدُسِ... مَنْ آمَنَ وَاعْتَمَدَ خَلَصَ، وَمَنْ لَمْ يُؤْمِنْ يُدَنْ." (مت 28: 19؛ مر 16: 16).

لماذا تتوانى عن المعموديّة؟ ما هو العائق الذي يقف بينك وبين طاعة المسيح؟ هل هي الدنيويّات؟ هل هي خطيّة مخفيّة؟ هل هي محبّة العالم؟ هل هي كبرياء النفس؟ هل هو فكر ديني مُعيّن؟ هل الخوف من الآخرين؟ لماذا تتوانى؟ ليكن شعار قلبك ونهج حياتك: "أَسْرَعْتُ وَلَمْ أَتَوَانَ لِحِفْظِ وَصَايَاكَ." (مز 119: 60).

نعم. المسيح يُريدنا أن نتعمّد. وهو ذهب إلى المعموديّة تاركًا لنا مثالاً لكي نتّبع خطواته. "مَنْ قَالَ: إِنَّهُ ثَابِتٌ فِيهِ يَنْبَغِي أَنَّهُ كَمَا سَلَكَ ذَاكَ هكَذَا يَسْلُكُ هُوَ أَيْضًا." (1يو 2: 6). إنّه لشرف كبير لنا أن نتّبع المسيح. نتبعه في طريقه كما رسمها هو. فإن اعتمد المسيح وهو ليس بحاجة للمعموديّة فما الذي يمنعنا أن نعتمد ونحن نحتاج لنُظهر أنّنا سلّمنا حياتنا له وأنّنا تحت سيادته وأنّه غفر لنا خطايانا؟

قال بطرس لجمهور الحجّاج في أورشليم في يوم الخمسين: "تُوبُوا وَلْيَعْتَمِدْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ عَلَى اسْمِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ لِغُفْرَانِ الْخَطَايَا، فَتَقْبَلُوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ الْقُدُسِ." (أع 2: 38). أمّا السامعون فللحال "قَبِلُوا كَلاَمَهُ بِفَرَحٍ، وَاعْتَمَدُوا، وَانْضَمَّ فِي ذلِكَ الْيَوْمِ نَحْوُ ثَلاَثَةِ آلاَفِ نَفْسٍ." (أع 2: 41).

نخلُص للقول أنّ المعمودية هي عمل طاعة يقوم به المؤمن الذي يرتبط بالمسيح. والمعموديّة هي عمل شهادة – أو اعتراف علنيّ - يقوم بها المؤمن الذي يصطبغ بالمسيح علانية. المعمودية لا تُخلّص إنسان بل تؤكّد أنّه مُخلّص ومُطيع للمسيح.

اليوم أيضًا نحن مدعّوون للتجاوب مع الدعوة الإلهية بقلب راغب. "لِنَتَقَدَّمْ بِقَلْبٍ صَادِق فِي يَقِينِ الإِيمَانِ، مَرْشُوشَةً قُلُوبُنَا مِنْ ضَمِيرٍ شِرِّيرٍ، وَمُغْتَسِلَةً أَجْسَادُنَا بِمَاءٍ نَقِيٍّ." (عب 10: 22). القلب الصادق هو القلب المغتسل بدم المسيح من كلّ خطيّة وإثم وحقارة. إنّه الضمير النظيف غير المُتعَب بالخطايا. "الْيَوْمَ، إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلاَ تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ" (عب 4: 7).