أصحاب السيادة: الله والحكم الصّالح اللّاهوت السياسيّ في خدمة الخير العام

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

يُشرّفني، ويُربِكُني في آنٍ، القسّيس الدّكتور طرابلسي. أُرافقُه حين يَبْزُغُ بُرْعُمُ كتابٍ في نبْتَةٍ من حُقولِ فكرِهِ الفَسيحِ المتعدِّدِ الإتّجاهات، والمضْطَرِمِ بخيرِ الشّأنِ العام والمواطنةِ الصّالحة وفائدةِ الآخر إنسانيًّا وروحيَّا وإجتماعيَّا وعَمَلانِيَّا. نقرأُ، نتناقشُ، ونُراجِعُ معًا، إلى أن يُزهِرَ الكتابُ فيَعقُدُ ثمرةً صالحةً وشهيّة. "أصحابُ السّيادَةِ"، نِتاجُ إثني عشر عامٍ من العمل الدّؤوب، وثمرُ مطالعَةِ عشراتَ الكتبِ والمقالاتِ والمصادرِ المتنوّعة. 

ويُربِكُني...! وأينَ منّي الإعْجازُ الّذي يطلبُهُ، بحثِّهِ المستمرِّ لأوجِزَ فكرَهُ السّياسيِّ المغموسِ باللّاهوتِ العميقِ الأزل، بأربَعِمِئَةِ كلمةٍ. الإعْجازُ هو الكتابُ الفريدُ اللّامثيلَ لهُ في المكتبتينِ العربيّةِ المحلّيَّةِ والأجنبيَّةِ العالمية. إنّهُ ليسَ إنْشائيًّا ولا فلسفِيَّا ولا "نوسْتالجِيَّا"، بل واقِعٌ مختبرٌ مبنيٌّ على إعلانٍ عُلُوِيٍّ ومفاهيمَ كنسيَّةٍ وممارساتٍ تاريخيّة. يخاطِبُ العقلَ الدّينيَّ مُتحدِّيَا، والقلبَ التَّقَويَّ داعِمًا.

البحثُ في اللاّهوتِ السّياسيِّ يبدأُ في اللهِ كالأساسِ في العِمارَةِ الكونِيَّةِ، كما هو في الكنيسَةِ، وكالسيِّدِ في مملكَةِ النّاسِ ومنهُ تنبعُ السُّلُطاتُ كافةً. لا بحثَ في أمورِ الإنسانِ، ومنها السّياسَةِ، دونَ التطلُّعِ إلى الموضوعِ من زاويةِ اللهِ خالقِ الإنسانِ. فالسّياسَةُ لم تدخلْ أرضَ النّاسِ من العَدَمِ، بل هي في صُلبِ المشروعِ الإلهيّ. وإنِ اعْتَبَرَها البعضُ شيطانِيَّةً، ففي اللاّهوتِ المسيحيِّ لا يوجدُ شيءٌ اخترعَهُ الشّيطانُ لتدْبيرِ حياةِ النّاسِ، بل لتَخْريبِها.

اللاّهوتُ والسّياسَةُ - شؤونُ العُلا وشؤونُ الدُّنى - أَمُنْفَصِلانِ أمْ مُتَلازِمان؟ أَوَيُقْرِنُ الكاتِبُ ضدَّينِ ويُصالحُ عدُوَّينِ؟ هل يُنجِّسُ مُقدَّسًا ويقدِّسُ مُنَجَّسًا؟ أمُ تُراه يُبرّرُ مصلحةً ليُشرِّعَ ثقافةً ويروّجً لبِدعَة؟ لا، بل يُصالحنا مَعَ المفهوم الأساسِ للهِ ولطبيعَتِهِ. فالسّياسَةُ منْ كُنْهِ الأُلوهَةِ، وقدْ أَوْكَلَ مصيرَها للإنسانِ مُذْ خَلَقَهُ على صورَتِهِ ومِثالِهِ، وَوَضَعَ الخليقَةَ بينَ يديْهِ كيْ يُخضِعَها، ويتَسلَّطَ عليها، ويعمَلَها، ويحفَظَها، ويسوسَها. ليسَ أصْلُ السّياسَةِ ما يمارِسُهُ أهلُ السّياسَةِ؛ ولا ما تَفْهَمُهُ العامّةُ. فَهِيَ كغيرِها منَ الأمورِ السّاميَةِ الّتي تسلَّمَها الإنسانُ بالفِطرةِ. وبسببِ العِصيانِ انجبَلَتْ بالخطيَّةِ وانحرَفَتْ عن مدارِها السّليم. لم يستْرجِعْها اللهُ منَ الإنسانِ بعد سقوطِهِ بلْ حمّلّهُ مسؤوليَّةَ استخدامِها.

السّياسَةُ والحُكْمُ والقيادَةُ كالعائلةِ والزواج، كالعلمِ والآداب، كالعملِ والمعيشَة، وغيرِها من شُؤونِ الأرضِ، أوجدَها الباري تَعالى لخيرِ البشرِ وسعادَتِهِمْ. لكنَّهُمْ بسبَبِ قلبِهِمِ الشّريرِ المظلِمِ غَمَسوها بالأنانيّةِ، وبالّلذّةِ، وبالشّهوةِ، وبحبّ التسلُّطِ، وبالقَهْرِ والظُّلْم، وبالغايَةِ الّتي تُبرّرُ الوسيلة. ما يفْعَلُهُ الكاتبُ يرفَعُنا إلى فوق، إلى المعاني السّاميَةِ الأبديَّةِ للسّياسة والمقاصِدِ الإلهيَّةِ فيوضِحُها ويشْرَحُها ويُلْقي أضْواءًا عمّا آلَتْ إليهِ أُمورُها منذُ بَدْءِ الخليقَةِ مُرورًا بلآباءِ وقُضاةِ الشّعبِ القديمِ وأنبيائِهِ وملوكِهِ والممالِكِ المعاصِرَةِ وتَشاريعِ الشّعوبِ وُصولاً إلى المسيح ورُسُلِهِ الكِرامِ في العهدِ الجديد. هل افتكرتَ يوما أنّ القدّيسَةَ المباركَةَ العذراءَ مريم أمَّ المخلِّصِ لها رأيٌ في السّياسَةِ وقدْ وَرَدَ في الإنجيلِ المقدّس؟ وفي الكتابِ فيضٌ ممّا يعلِّمُهُ الإعلانُ الإلهيّ عنِ الحروب، والمعاهدات، والجاسوسيّة، والجيش، والعملِ العسكري، والسّلاح، والأمنِ القومي، والأوطانِ، وتخومِها، والأرضِ (العنصر الأساسي لوجود الأمم)، والقضاءِ، والتّحكيمِ، والدّبلوماسيّةِ، والإرثِ، وحقوقِ الإنسان. 

ليستِ السّياسةُ مجرّدَّ نظريّاتٍ. لذا يستطردُ الكاتبُ إلى التّاريخِ الكنسيِّ ليكشِفَ أقوالَ وأفعالَ آباءِ الكنيسة، مثال فلافيانوس ويوحنّا الذّهبي الفم. ولا يتغافلُ عن أغسطينوس صاحبِ الأثرِ الكبيرِ في تشكيلِ حضارةِ الغربِ وفكرِهِ السّياسي. "مدينةُ الله" هوَ المحاولةُ الأوليَّةُ لفصلِ سُلطانِ الدّينِ عنْ سلطانِ الدّولةِ، ولِتَحديدِ العلاقَةِ بينَهُما معَ التَّشديدِ على حاجةِ البشرِ لحكْمِ الدّولةِ لِضَبطِ طبائِعِهِمِ الخاطئة؛ العدالةُ دونَ سِواها هي المقياسُ لحكمِ الدّولة. وبهذا تكونُ المدينةُ الأرضيّةُ خادمةً بطريقةٍ ما للمدينةِ السّماويَّةِ، وتُعدُّ الطريقَ قُدّامَها. وستبْقَيانِ متداخِلَتَينِ ومتصارعتينِ إلى آخر الزّمانِ. يصلُ من ثمَّ الدّكتور إدغار إلى توما الإكويني، الأعظم بين لاهوتيّي الكنيسةِ وفلاسفتِها. اعتبَرَ الأكويني أنَّ ممارسَةَ السّياسَةِ هي فعلٌ طبيعيٌّ في المجتمعِ الإنسانيّ، يقومُ بها الحاكم بحريّةٍ من أجل الصّالحِ العامّ المتمثّلِ بسعادة الأفرادِ والحياةِ المشتركةِ، وليسَ من أجلِ صالحِهِ الخاصّ. الإنسانُ بالنّسبةِ لهُ كائنٌ سياسيٌّ يحيا في مجتمعِ سياسيّ.

فلسفةُ السّيادَةِ تختلفُ بين كنيسةِ القسطنطينيةِ وكنيسةِ روما وكنائسِ الإصلاح ِالإنجيلي. "أصحابُ السّيادة" يسبرُ أغوارَ العلاقةِ بينَ الشّأنينِ السّياسي واللّاهوتيّ في هذهِ الكنائسِ التّاريخيّة.

يُطرحُ سؤالٌ في الختام، هلْ تستحقُّ السّياسَةُ مساهَمَةَ اللاّهوت؟ نعم تستحقّ. وحدُهُ اللهُ يملكُ الفكرَ السّياسيَّ الأفضلَ للبشر. يجبُ أنْ تُلامِسَ حياةُ الإنسانِ المشيئَةَ الإلهيَّةَ الحسنَةَ منْ أجلِ حياةٍ أفضلَ في أرضِ المشقَّةِ. يجبُ أنْ يتَصالحَ المرءُ معَ اللهِ، ومعَ نفسِهِ، لكي تعكِسَ حياتُهُ على الأرضِ صورَةَ حياتِهِ معَ اللهِ، وتقتربَ من واقِعِ الحياةِ المرجوَّةِ في السّماء. قد يستحيلُ إصلاحُ  مجتمعٍ مشوّشٍ عاجِزٍ، لكنَّ الإيمانَ والرّجاءَ الحيّ والمحبَّةَ، هذه الثّلاثةُ، ترفعُنا فوقَ مشاعِرَ اليأسِ وخيبَةِ الأمَلِ الموجودَةِ اليومَ في العالم. يكفي أنْ تقرأَ الكتابَ المقدّسَ وتفتحَ عينيكَ مليًّا لترى الكمَّ الهائلَ منَ التّعاليمِ المرتبطَةِ بالسّياسَةِ والحُكمِ. واقرأْ أيضًا "أصحابُ السّيادةِ" لما فيه من فوائدَ روحيَّةٍ متعدِّدة.