أصحاب السيادة: هل من حياة أفضل؟

الموضوع:
العدد:
السنة:

كتاب "أصحاب السيادة" هو في حقل اللاهوت السياسي. وعندما يسأل أحدنا ما هو هذا اللاهوت يجب أن يُفكّر في التعليم الإلهي من حيث السلطة وممارسة الحكم. أما التعبير "اللاهوت السياسي" فقد صاغه اللاهوتي الكاثوليكي والضابط النازي السابق كارل شميت الذي سأل عمّن يحكم في الظروف الاستنثائية؟ وناقش موضوع سيادة الله والإنسان ومحدودية الحكم. وبعده استخدم هذا التعبير يوهان بابتسيت ميتز الذي حاول أن يُعيد أنظار الكنيسة من عالمها الرّوحيّ البعيد لخدمة العالم المعاصر المتعدّد الثقافات والعلماني والمتألّم الَّذي من أجلِه تألّم الله. وكان كلّ من شميت وميتز شاهدَين على حربين عالميتين أوبكالبسيّتين. وقد أخذ الفكر اللاهوتي في أميركا اللاتينية من فكرِ ميتز وخَلطَه مع فكر كارل ماركس فكان لاهوت التحرير الذي قاده رهبان تقدميّون أمثال غوستافو غوتيريز من البيرو وليوناردو بوف من البرازيل وغيرُهما من الذين حاولوا حثَّ الكنيسة على أن تهتمَّ جديًّا بمعالجة المشاكل الاجتماعيَّة كعدم المساواة، والفقر، والسكر، والجريمة، ومآسي المدنِ التَّنكية، وخطر الحرب وغيرها.

ويقودنا اللاهوت السياسي إلى الاطّلاع على ما جاء في كلمة الله وفي كتابات اللاهوتيين عبر العصور ومنهم أغوسطينوس وتوما الأكويني ومارتن لوثر وجون كالفن وغيرهم من المعاصرين، ومنهم القسيسُ أبراهام كويبر رئيس وزراء هولندا (1900) الذي ترك أثرًا في ممارسة الحكم لا يُمحى. وكان لتلاميذه بعده محاولات لإخراج المؤمن من دائرتي الاكتفاء باختباره الرّوحيّ الشَّخصيّ والانزواءِ داخل الكنيسة لتحمُّلِ المسؤوليَّة في إظهار مبادئ ملكوت الله في العالم. فإن كان الله هو الخالقَ، فهو خالق الجميع، مؤمنين وغير مؤمنين، والتحديات عينها تواجه الجميع، وموضوعات كالحرية الشخصيَّة والعدالة وحقوقِ الإنسان وغيرِها هي موضوعات تهمُّ جميع البشر، ولا بدَّ للمسيحيّ من أن يكون له كلام واضح في شأنها، في هذا المجتمع غيرِ الدِّينيّ.

السياسة بحسب كلمة الله

ويُعْوِزُني الوقت هنا لأستعرضَ مساهماتِ الكثيرين في هذا الحقل. أمّا بالنسبةِ إليَّ فأعظم ما اكتشفته هو أن الكتاب المقدس هو أهمّ مرجع لاهوتيّ وسياسيّ في آن. وفي هذا الكتاب الإلهيّ حبكة عجيبة تجمع ثلاثة خيوط: اللَّاهوت والسياسة والتاريخ. هنا نرى إعلان الله فكره وشخصه وخلاصه للبشر، ونرى أَداء ملوك وحكّام وشعوب، ونرى تأريخا وتحليلاً وخلاصات عن هؤلاء. كتاب "أصحاب السيادة" يجمع هذه الخيوط الثلاثة ويقدمُها بلغة مباشرة وعمليّة ومفيدة.

ويَحضُرني عند إطلاق كتابي الجديد هذا قول المسيح: "أنا جئتُ لتكونَ لهمْ حَياةٌ ويكونَ لهمْ أفضل". وإذ أتأمَّل في كلماته هذه أتساءل: ما المقصود بها؟ هل يريد لنا غفران الخطايا والحياة الروحية والأخلاقية والحياة الأبدية فحسب، أو أنّه يُريد لنا حياة إنسانيّة ومجتمعيَّة أفضل أيضًا؟ إن لم يكن يريد لنا هذه، فهل يريد لنا مآسي الأرض مخفّفة مع الرَّجاءِ بالآخرة؟ وكيف يكون المسيح خيِّرًا ومُحبًّا ويريد لنا الحياة الأفضل ونحن لا ننعم بها؟ هنا أسأل: هل الحقُّ على المسيح أنَّه يُقدّم وُعودًا لا تتحقّق أو أنه غير قادر على تحقيقِها؟ أو أن وعد المسيح "لا يُصْرَف" بالسياسة والاجتماع والاقتصاد؟ ومن جهة أخرى أسأل: وهل نحن حاولنا معرفة ما هي مبادئه لحياتنا الأرضية الاجتماعية والسَّياسية، وحاولْنا تطبيقها، ومن ثم تبيَّن لنا عدم جدواها؟ أم أنّنا لم نعرِفها بالمرَّة وبالتالي نعاني مما نعانيه؟

ولئلا أستمرَّ في طرحِ الأسئلةِ التي أجوبتها ضمنها، لا بدَّ من الإجابة: كيف لنا أن نعرف تعاليم المسيح لحياِنا الأرضية والاجتماعية والسياسية ونحن مغسولو الدماغ بالأفكار التالية: (1) أن المسيحية ليستْ دينًا ودُنيا ولا رأيَ لها في التشريع والسياسة والاقتصاد والمجتمع؛ (2) وأن المسيحيّة هي مجرد ديانة تعبُّد وأخلاق وانتظار للملكوت. (3) وأخيرًا إنَّ الله معنا مهما عملنا ولن يصيبنا أيّ شرّ! وأسأل كيفَ لنا أن نُبدّدَ هذه الأفكار ونحن نجهل تعاليم المسيح ولا نستفيد منها؟

أنا أعترف أننا لسنا في أيام تحتمل الترف الدينيّ أو الفكري. لذا لا أقدّم كتابًا للتعزية الروحيَّة ولتضييع الوقت إلى أن تأتي الساعة. هنا في كتابِ "أصحاب السيادة" استعرضت نجاحات الكنائس والمسيحيين وإخفاقاتهم. الوقت لا يسمح لي بأن أستعرض كلّ أسباب الفشل الذي يتخبَّط فيه مسيحيّو بلادنا منذ قرون. ولكن ما دامت الوثنية والمادية والفساد والفوضويّة والأنانِيَة قد طبعَتنا، فلن تكون لنا حياة أفضل. وما دام الإقطاع الدينيّ والعائليّ والماليّ والطائفيَّة والفاشستية والتقوقع والكبرياء والتعصّب قد حكَمَتنا، لن تكون لنا حياة أفضل. وما دام عدم الشعور بالآخرين واغتصاب حقوقهم مستشرِيَيْنِ بيننا، وقد انعدمَ بيننا العدل والحقّ، لن يكون لنا حياة أفضل. وما دامت أفكارنا مغلوطة، من ناحية العمل والإنتاج والمال واستخدامه، لن يكون لنا حياة أفضل. وما دمنا قد حكَّمنا علينا الأنانيّ والفاسد وغير النافع والماكر وغَطَطنا في نوم روحيّ وسياسيّ عميق لن تكون لنا حياة أفضل. وإلى أن نُعيد اكتشاف ما جاء يسوعُ به لتكون لنا حياة أفضل، لن تكون لنا هذه الحياة.

كتاب عمليّ لتغيير حقيقيّ

قد يقول أحد ما: لماذا تكتبُ والناس لا تقرأ؟ وجوابي هو أننا آخر من تبقّى من مسيحيين في هذا الشرق، وأنّ غول التهجير يقف على أبوابنا ولا من يُبالي، علينا أن نقرأَ ونبحث ونَخْلُقَ ذهنية إصلاحية تولّد معادلة جديدة تسمح لنا ليس بالبقاء فحسب، بل وتجعل حياتنا وحياة أولادنا أفضل. لا تنفعنا الأوهام والشعائر والاحتفاليَّات والتمنيات والنوستالجيا، جرَّبناها كثيرًا وطويلًا ولم تنفعنا. لا بدَّ من شيء جديد ومن حلٍّ أفضل. هنا أقول إنّ ما ينفعنا هو أن نُعيد اكتشاف ما علَمنا إياه المسيح عن حقوق الإنسان والكرامة الإنسانية والسيادة وممارسة الحكم والإدارة والخدمة العامة. إن عيش المسيح وتعاليمه تخلق إنسانًا جديدًا ومجتمعًا أفضل. إن لم نخلق هذا الإنسان الجديد ونَفتَدِ ما تبقَّى لنا من أيام، فالسلام علينا وعلى دنيانا!

عندما جاءَ المرسَل دانيال بلِس ورفاقه ليؤسّسوا المدارس والكليَّة الإنجيلية السورية، الـ AUB اليوم، وضعوا شعارًا لها وهو قول المسيح: "أنا جئت لتكون لهم حياة ويكون لهم أفضل". جاء المرسَلون في زمن سيئ عصف ببلادنا ومع هذا أرادوا أن يكون لتلاميذهم ولهذه البلاد "الحياة الأفضل". مرَّت بلادنا بأيام حزينة، مجازر الـ1840 والـ1860 وحربين عالميَّتين أولى وثانية، وبقِيَ شعار المرسلين ذاته: "أنا جئت لتكون لهم حياة وليكون لهم أفضل" وهكذا علَّموا أجيالًا من الشباب كيف يصنعون غدًا أفضل.

أقدّم هذا الكتاب اليوم إلى المسيحيين وإلى سائر أبناء هذه البلاد، وهذا ليس بكتاب وعظ وتأملات ودوغما، بل فيه فكر المسيح "ووصفاته العمليّة" لجعل حياتنا أفضل. وأضع في طيَّات هذا الكتاب تعاليم المسيح وكيف أعطت المجتمعات المسيحية نجاحًا وحياة أفضل، وأستعرض فيه أيضًا خُبرة مجتمعات وسياسات استهتَرَتْ فكانت لها المآسي الكبرى. وفي الخلاصة، أختم بالاعترافات التالية:

أولًا، أنا أومن بأننا في أسوإِ أيّام التاريخ وبأننا على أبواب عودةِ المسيح الملك ليُحقِّق ملكه السعيد. ثانيًا، إننا مطالبون من الخالق، وإلى آخر لحظة، بأن نكون شركاءه في ممارسة السيادة على الأرض لحياة أفضل. وإذا لم نفعل ذلك فسيحاسبنا المسيح عند عودته ليرى ماذا فعلنا بالوكالة التي أُعطِيَتْ لنا. ثالثًا: ما زلت مؤمنًا بأنّ فهم الناس الدِّينيّ ينعكس في مجتمعاتهم وسياساتهم ودولهم وأوضاعهم. رابعًا: مع المسيح، ومعه وحده، ومنه وحده، لنا خلاص وحياة أفضل، ومن دونه لا نقدر أن نفعل شيئًا.