أنا والكنيسة المحليّة

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

تراجَعَت في الآونة الأخيرة نسبة المؤمنين الَّذين ينتمون إلى واحدة من الكنائس المحليَّة. ويكتفي مثل هؤلاء بانتمائهم الطَّائفي أو الفكري، غير مُدركين أهمِّيَّة الالتزام بكنيسة مُحدَّدة. يُعرِّفون عن أنفسهم على أنَّهم أعضاء في كنيسة المسيح الجامعة أو الكونيّة. ومنهم من يُناصر معلِّماً ما أو يتبع لواعظ شهير ما. ولا ينسجم هذا المنطق أو الأسلوب مُطلقًا مع خطَّة المسيح الذي يُريد للمؤمن أن يكون في كنيسة محلِّيَّة تلعب دوراً محوريّاً في حياته.

فالحرِّيَّة والخصوصيَّة والانتقائيَّة، بالنسبة إلى هؤلاء، هي من الأولويَّات، فيما الأولوية في مفهوم الكنيسة الأولى هي للخضوع والتَّضحية والطَّاعة. وتبدأ المشكلة ظاهريًّا بمفهوم مُجتزأ عن الكنيسة. على الرُّغم من أنّ جميع المؤمنين في المسيح في هذا العالم يُشكِّلون في النهاية معًا الكنيسة العامَّة، أي عروس المسيح؛ إلَّا أنَّ العهد الجديد يتحدَّث دائمًا عن كنائس محليّة وعن كيفيَّة تدبير وتنظيم أمور كل واحدة منها!

مَن هو العضو الحقيقي في جسد المسيح؟ العضو الحقيقي هو الَّذي ينتمي إلى كنيسة فعليَّة وحقيقيَّة مَعْروفة، إذ لا يوجد عضو شَرَف في كنيسة المسيح. فمثل هذا العضو هو في أغلب الأحيان زائر أو صديق. وليست الكنيسة مكانًا مُحدَّدًا، بل انها عبارة عن جماعة من المـُخلَّصين التَّائبين الَّذين خرَجوا من العالم واجتمعوا معًا، لا لِيسمعوا الوعظ أو لُمارِسوا الفرائض سويَّةً وحسب، بل لِيتعاهدوا أيضاً أمام الله وفيما بينهم بأن يُواظبوا على الشَّركة معًا في كلّ شيء. ولأنَّ الكنيسة ليست طائفة أو عقيدة ما، بل جماعة حقيقيَّة مُجتمِعة، عابدة ومُصَليَّة، فإمَّا أن يكون الشَّخص داخل الكنيسة وإمَّا أن يكون خارجها، بحسب تعبير الرَّسول بولس.

يُعبِّر العهد الجديد عن فِعل الانضمام الحقيقيِّ إلى الكنيسة - جماعة التَّلاميذ حينها - بكلمة "التَصَقَ". مثال على ذلك، "وَلَمَّا جَاءَ شَاوُلُ إِلَى أُورُشَلِيمَ حَاوَلَ أَنْ يَلْتَصِقَ بِالتَّلاَمِيذِ وَكَانَ الْجَمِيعُ يَخَافُونَهُ غَيْرَ مُصَدِّقِينَ أَنَّهُ تِلْمِيذٌ." (أع9: 26. قارن مع أع 12:5-13). وبالتالي فإن العضويَّة الحقيقيَّة هي التصاق بجماعة محلِّيَّة، والتزام بالتَّعليم والتَّدبير برباط المحبَّة. وليس الانتماء إلى الكنيسة العامَّة بديلًا عن الانتماء العملي والظَّاهري إلى الكنيسة المحلِّيَّة، بل انه شرط طبيعيّ لها. فلا يوجد في المسيحيَّة انتماء طائفيّ أو نظريّ أو حتَّى روحانيّ، بعيداً عن خطَّة الله ومشروعه الهادف إلى جمع أولاده معًا.

لا تستطيع المبادئ والعقائد والأخلاقيَّات أن تحلَّ مكان الأشخاص. فوجود الجماعة والانتماء إليها والشَّركة معها هي من صميم المسيحيَّة. لقد كان الناس موضوعَ اهتمام يسوع ومحور تفكيره وكلامه، وهو مات عنهم. يقول توزر بشجاعة، "يُمكنكم أن تستنتِجوا من هذه الكلمات ما شِئتم، لا أظن أنَّني مُستعد أن أُضحِّي بحياتي من أجل مبدأ. لكن بكلّ ثقة أقول بأنِّي مُستعد أن أموت من أجل مَن أُحب. ولي الثِّقة بأنِّي مُستعد أن أموت من أجل كنيسة المسيح".

فضّل الكثيرون من النَّاس الحريَّة الشَّخصيَّة على الخضوع. وفضّل آخرون الخصوصيَّة الفرديّة على الوحدة والشَّركة الجماعيَّة. كما فضّل البعض الآخر أن يختار من هنا وهناك ما يَسْتَحسِنه، على أن يقبل كلّ التَّعليم ويُطيعه تمامًا كما وَضَعَهُ الرُّسل. وإذا كانت الكنيسة كيانًا روحيًّا منظورًا وبناءً ظاهرًا وجسمًا مؤلَّفًا من أفراد، فكيف يكون الانتماء إلى هذه الكنيسة من دون الاشتراك في عضويَّتها وخدمتها؟ فنُمو الجسد وبُنيانه يعتمدان على إتمام كل فرد دوره ومهمَّته. ومَن لا ينتمي إلى كنيسة الله ويعمل فيها، لا يَبني ولا يُبنى.