الإختلاس: إختصاصُ العصر

الكاتب:
العدد:
السنة:

 

إنه عصر الإختصاص بإمتياز! والنّاس تتخصّص بالطّب وبالهندسة وبالرياضة وبسائر الحِرَف. إلّا أن البعض ويا للأسف، إختصاصهم الأساسيّ هو السرقة والإختلاس. وهؤلاء تجدهم في كافة الأوساط الإجتماعيّة، الفقيرة منها والغنيّة، ومنهم من تبوّأ المناصب العليا، وأصبح من أصحاب السعادة والمعالي ولهم أتباعهم ومن يصفّق لهم، إعجابًا بفضائلهم ودماثة أخلاقهم!

 

ولهذا الإختصاص فروع عديدة. فبعض المختلسين يتّجهون إلى فرع الإختلاس بالنظر. فيتعلّمون فيه كيف ينظرون إلى ما لا يجوز لهم أن يروه. ويُمارسون سرقة النظر إلى ما لا يعنيهم من أمور البشر. وآخرون يراقبون الناس سرّاً من النوافذ وثقوب الأبواب أو بواسطة المناظير، مُتسلّحين بالمثل الشعبيّ القائل "النظر ما بينحجب". ويشرّع هؤلاء لأنفسهم الإطّلاع على كافّة أمور الناس دون أن "يرفّ لهم جفنٌ"، وكلّ ذلك بدافع الفضول والحشريّة. وقد يصل اختلاس النظر إلى حدّ الزنى، كما إعتبره المسيح، حين قال إنّ من نظر إلى إمرأة ليشتهيها فقد زنى بها في قلبه. وقد يظّن بعض المُستبيحين أنّه لا ضير من اختلاس النظر طالما أنّه لا يؤذي أحدًا. فهؤلاء حريصون فقط على السلامة العامّة دون أن يعيروا أدنى إهتمام للصحّة الأخلاقيّة للفرد والمجتمع.

 

وقد يتّجه المختلسون إلى فرع إختلاس الأفكار. وفيه يتعلّمون كيف يقدّمون أفكار غيرهم على أنّها أفكارهم. فيجاهرون بها بجرأة وإندفاع وقد يطالبون حتّى بحقوق النشر أو ببراءة الاختراع! وما أكثر روّاد هذا الفرع. فإنّك تجدهم في كلّ ركن وزاوية، وعلى كافّة الإذاعات والتلفزيونات يتباهون بآخر ما توصّلت إليه أفكارهم وأبحاثهم. وإذا أراد مختلس الأفكار المحترف أن يكتب كتابًا أو مقالاً ما، لرأيته يُضيف إلى ما يكتبه قائمة المراجع والمصادر ليُضفي إليه صورة المصداقيّة! ليست المشكلة في الإستفادة من أفكار غيره، إنّما في إستخدامها وتسويقها على أنّها أفكارنا الخاصّة ونسبها لنا جملة وتفصيلاً. فلكلّ ذي حقّ حقّه، والمسيح علّمنا ذلك حين قال: "أعطوا ما لقيصر لقيصر وما لله لله". وقد مارس ما علّمه مرارًا وتكرارًا، ففي قائمة "قيل لكم ... أما أنا فأقول" ميّز بين ما يقوله هو وما قاله القدماء بشكل واضح. ليتنا نعتمد أسلوبه الّذي فيه من الأمانة والمصداقيّة ما يرقى بنا إلى أعلى المستويات الأخلاقيّة. فكم جميل أن نشير إلى الشخص الذي نقتبس قوله، فلو لم تكن الفكرة جديرة بالإقتباس لما أخذناها من الأساس. وهنا يستحضرني ما يقوم به الكثيرون على مواقع التواصل الإجتماعيّ. فالكلّ يضع عبارات جميلة ورائعة، إنّما قليلون هم الذين يكتبون إسم صاحب المقولة لكي يبدو أنّهم من أصحاب الأقلام الفذّة!

 

أمّا الفرع الأخير في إختصاص الإختلاس فهو فرع إختلاس الأموال. وهو الفرع الأقدم والأعرق، ومنه تخرّج العديد من الشخصيّات التي برزت في مجالات متنوّعة. وقد يميّز البعض بين إختلاس وآخر ويبرّرون البعض منها. فهذا إختلاس بسيط لا يستحقّ الوقوف عنده. وهذا إختلاس مبرّر بدافع الفقر والحاجة. وذلك إختلاس يمكن تفهّمه بدافع الإنتقام وتحقيق العدالة. لكنّ الميزان الإلهيّ يساوي بين كلّ هذه الإختلاسات ولا يبرّر الواحدة دون الأخرى. وقد يجد المختلسون في هذا الفرع سبيلاً إلى الربح السريع، وإستثمارًا ناجحًا، وربما جسرًا للعبور من الفقر والقلّة إلى الغنى والعزّ. ويُحذّر الكتاب المقدس بوضوح من الإستمرار في طريق السرقة بالقول: "لا يسرق السّارق فيما بعد بل يتعب عاملاً الصالح بيديه." (أفسس 4: 28). فالعمل هو السنّة الإلهيّة لتحصيل الرزق وتأمين مستلزمات العيش، والاختلاس هو كسر للمبادئ الإلهيّة وضربها عرض الحائط. ولنا في العهد الجديد، وفي قصّة حنانيا وسفّيرة تحديدًا، مثال واضح عن اختلاس المال وعاقبته (أعمال 5: 1-11). فنجدهما باعا حقلاً وقدّما ثمنه عند أقدام الرسل مساهمة منهما في تسديد حاجات الخدمة، إلاّ أنّهما إختلسا من ثمنه قليلاً وكتما ذلك الأمر، فكان عقابهما قاسيًا وفوريًا.

 

قد يلوذ السارق والمختلس من العقاب هنا على الأرض، وقد لا ينكشف أمره أمام الناس، لكن أين يهرب من وجه الرّب؟ ففوق العالي عاليًا يلاحظ والأعلى فوقهما (جامعة 5: 8). والله يراقب بعينيه التي لا تنعس ولا تنام، وسوف يأتي يوم فيه يدين الأحياء والأموات على أعمالهم وسرائرهم وبما في ذلك الإختلاس. إنّ الكتاب المقدس لا يبرّر السرقة والإختلاس، حتّى لتسديد الحاجة إلى الطعام (أمثال 28: 21)، وقد استحقّت الوصيّة "لا تسرق" مكانها في قائمة الوصايا العشر، نظراً لكثرة إنتشار هذه العادة السيئة بين الناس ونظرًا لمدى تأثيرها على المجتمعات البشريّة.

قال أحدهم: "إنّ كلّ الخطايا هي بشكل أو بآخر سرقة". فالكذب هو سرقة للحقيقة، وعبادة غير الله سرقة لمجده، والقتل هو سرقة لروح من تقتل، وهكذا دواليك. ليتنا نطرح الإختلاس من قاموس حياتنا الروحيّة والأخلاقيّة، ونعيش بالبّر والتعقّل والتقوى في الزمان الحاضر. وسيأتي اليوم الّذي فيه يدين الله جميع الناس على أعمالهم، ويكون مصير المختلسين أسود في النهاية. هنا ينقب السارقون ويسرقون، أمّا هناك فيكون البكاء وصرير الأسنان. الإختلاس فخّ من فخاخ إبليس ومكيدة من مكائده، ومن يقع في حبائله يجلب على نفسه الدينونة والعقاب، أمّا من يعترف بما قام به من إختلاس مهما كان قدره أو نوعه أو مبرّراته، فينال المغفرة لأنّ من يكتم خطاياه، بما فيها خطيّة الاختلاس، لا ينجح. ومن يقرّ بها ويتركها يُرحم وتُغفر له خطاياه. (أمثال 28: 13؛ 1يوحنا 1: 9).