الإنسان خلف الأقنعة

العدد:
السنة:

يحلّ عيد البربارة أو ليلة الـ"هالُوين"، ويلبس الأولاد وحتّى الكبار أقنعة تخفي وجوههم الحقيقيّة ويلعبون ويمرحون. أمّا لبس الأقنعة في الحياة فهو من أسوأ الصّفات الّتي يتحلّى بها الإنسان. وهذه تُدعى المراءاة. وهي الكذب بعينه، وإخفاء حقيقة الذّات من أجل الظّهور بعكس الواقع. المراءاة تُظهر شيئًا من انفِصام في الشّخصيّة وازدواجيّتها، وهي آفة كريهة جدًّا تعتمد على المجاملة والمواربة، وتستخدم النِّفاق والخبث. وطالما كانت المراءاة في أساس المشاكل بين النّاس، وما أكثرها في هذا العصر حيث يَندُر الصّدق وتنتفي الشّفافية.

مَن يقرأ الكتاب المقدّس يرَ أنّه يُحذّر بشدّة من المراءاة على كافّة الأصعدة. فالمراءاة في الدّين والعبادة لا تُرضي الرّبّ، وتُبقي صاحبها مُعرّجًا بين الحياة مع الله وتلك البعيدة عنه. والمراءاة عند تقديم الآراء سببها ضعف الشّخصيّة والرّغبة في "مسايرة" الآخرين. فعندما يعجز الإنسان عن إبداء رأيه بصدق وصراحة يُساق بآراء الآخرين لنيل مدحهم ورضاهم. والمراءاة في المظهر، عبر تقليد الآخرين أو الاستعلاء عليهم، تهدف إلى اغتنام مدح الجهّال ونيل الكرامة من المنافقين. وهناك المراءاة في اللّسان الّتي تجعل الإنسان يكذب ويتملّق صاحبه ليُخفي حقيقته، ساعيًا لأكبر قدر من الاستفادة المعنويّة أو الماديّة. وقد يكون أنّ خلف المراءاة شعورًا عميقًا بالنّقص وصغر النّفس، بالإضافة إلى حبّ الظهور أو حتّى حبّ الوصول بأيّة طريقة، حتّى ولو كانت كاذبة.

موقف الله والنّاس من المرائين

قد لا يعرف المرائي أنّ الرّبّ لا يعود يسمع له بسبب هذه الممارسة: "إنْ راعَيْتُ إثْمًا في قلبي لا يَسْتَمِع لِيَ الرّبّ". والمراءاة عند صاحبها  تبدأ صغيرة، وربّما طبيعيّة، ولكنّها تؤدّي، أحيانًا، إلى التّحطيم المعنويّ على الرّغم من الكسب المادّيّ. وعلى صعيد الحياة الاجتماعيّة والشّخصيّة، يصبح المرائيّ مرفوضًا من الآخرين حالما يُكتشف أمره، ويصبح موضع شكّ. هذا، بالإضافة إلى نموّ الفراغ الدّاخليّ والقلق وعدم الشّعور بالسّلام والاكتفاء، لأنّ الرّياء وعدم الصّدق إنّما يوسّعان الفجوة بينه وبين الله.

الله يكره المراءاة ويدينها فهو ليس عنده مُحاباة ولا يقبل الوجوه. لقد خلقنا الرّبّ وأعطانا إمكانيّات وطريقة تفكير تختلف واحدنا عن الآخر. فليس هناك أروع من أن يظهر الإنسان على حقيقته ومن دون مواربة. 

والرّبّ لا يحتمل الرّياء، بل يشتعل غضبه على المرائين ويُكثر لهم الويلات: "وَيْلٌ لكُم أيّها المراؤون!.. لأنَّكُم تُشبِهون قبورًا مُبَيَّضَة تَظهَر من خارج جَميلة، وهي من داخل مَمْلوءَة عِظامَ أموات وكلّ نَجاسة. هكذا أنتُم أيضًا: من خارج تَظهَرون للنّاس أبرارًا، ولكنّكم من داخل مَشحونون رِياءً وإِثْمًا "(متّى 23).

كيفيّة التّخلّص من هذه الخطيّة الكريهة

المتعَب من المراءاة لا بدّ من أن يُصلّي إلى الله: "قلبًا نَقيًّا اخْلُق فِيَّ يا الله، وروحًا مُستَقيمًا جَدِّد في داخلي". عليه أن يتذكّر دومًا أنّ عليه تنقية ذاته وغسل أقذاره، متذكّرًا أنّ الشّجرة تُعرف من ثمرها. من الضّروريّ ألاّ يسمح للخوف وضعف الشّخصيّة أو الحسد والرّغبة في محاكاة الآخرين بأن تُسيطر عليه فتدفعه دفعًا لتمثيل دور ليس له. إنّ التّعالي على الآخرين وانتهاز الفرص والاستعلاء على المقرَّبين للوصول إلى الأهداف، لم يكن يومًا بالأمر الصّالح والمفيد. قد يكون جيّدًا فحص القصد والنّوايا باستمرار للتأكّد من نقاوتها واستقامتها.

أخيرًا، من المفيد حفظ التّالي: كُن أمينًا في تصرّفاتك وعادلاً في أحكامك وواضحًا في أقوالك. لا تكذب، لأنّك بكلامك تتبَرّر وبكلامك تُدان. وليكن كلامك نعم نعم، لا لا. وما زاد على ذلك فهو من الشّرّير.