الإنسان والموت

الموضوع:
العدد:
السنة:

"أيُّ إنسانٍ يَحيا ولا يَرى المَوت؟" (مزمور 89: 48).

تعريف الموت

الموت هو توقّف الحياة بالجسد على الأرض. أمّا الموت الرّوحيّ فهو الانفصال عن الله. وقد دخل الموت ببُعدَيه الرّوحيّ والمادّيّ حياة جميع البشر عبر آدم منذ يوم السّقوط بالخطيّة (تكوين 2: 17؛ رومية 5: 12، 14، 17، 21)؛ فصاروا أمواتًا بسبب الذّنوب والخطايا (أفسس2: 1-2). من هنا، صار الموت هو النّهاية الحتميّة لحياة الإنسان على الأرض، كما تؤكّد كلمة الله: "كما وُضِعَ للنّاس أن يَموتوا مَرّةً ثُمّ بعد ذلِك الدّينَونَة" (عبرانيّين 9: 27). وإن تأمّلنا في الموت بحسب الكتاب المقدّس نتعلّم المبادئ التّالية:

الإنسان لا يعرف يوم وفاته

يصف الكتاب المقدّس حياة الإنسان كبخار، "يَظهرُ قليلاً ثمّ يَضمَحِلُّ" (يعقوب 4: 14). وما من شكّ في أنّ لا أحد يعرف السّاعة الّتي تُطلب نفسه فيها، فيموت ويُغادر حياة الأرض. يذكر سفر التّكوين أنّه عندما شاخ اسحق، دعا ابنه عيسو وقال له: "يا ابني، قد شِختُ ولستُ أعرِفُ يومَ وفاتي" (تكوين 27: 2). وعلى الرّغم من أنّ الله قد جعل الإنسان يشعر باقتراب الأبديّة (جامعة 3: 11)، إلاّ أنّ بعضهم يظنّ نفسه أنّه باقٍ على الأرض لسنين طويلة، فيُفاجئه الموت بغتةً من دون سابق إنذار (مَثَل الغنيّ ولعازر في لوقا 16: 19-20). أمّا الإنسان العاقل، فيسهر ويستعدّ "لذلك اليوم الّذي يُصادف النّاس بغتةً"، إذ هو، كيوم رجوع المسيح، يأتي بغتةً كاللّص (مرقس 13: 36). 

الموت قد يكون عقابًا للإنسان

قد يكون الموت عقاباً للإنسان، من الإنسان نفسه، وهذا ما يُسمّى بحكم الإعدام (تثنية 21: 22-23؛ 1صموئيل 20: 31؛ أمثال 16: 14). وقد يكون حكمًا من الله على الإنسان، كما حصل للمسيح المحكوم عليه بسبب خطايانا (إشعياء 53: 9)، وقد يكون حكمًا إلهيًّا يُجريه الله، بوساطة الإنسان أو السّلطات، للاقتصاص من الأشرار (إرميا 43: 11). وقد يكون الموت حكمًا يُجريه الله مباشرة بسبب خطيّة مُميتة ارتكبها الإنسان، وتستوجب التّأديب بالموت للحال (أعمال 5؛ 1يوحنّا 5: 16). لكن، على الرّغم من أنّ الله يُعاقب النّاس بالموت، إلاّ أنّه، وبسبب رحمته الكبيرة، يضع لهم مخرجًا ليتمكّنوا من ربح أنفسهم والأبديّة: "وتَقولُ لِهذا الشَّعب: هكذا قالَ الرَّبُّ: هأنَذا أَجعَلُ أمَامَكُم طريقَ الحياة وطريقَ الموت" (إرميا 21: 8-9). يقول داود: "اللهُ لنا إلهُ خَلاصٍ، وعندَ الرّبِّ السيِّد للموت مخارِجُ" (مزمور 68: 20-21). 

الإنسان قد يرفض الموت

هل بإمكان الإنسان أن يطلب إلى الله إطالة عمره؟ إنّ الإنسان لا يُمكنه أن يُطيل عمره، ولكنّه إن طلب إلى الرّبّ، وكان ذلك بحسب مشيئته، استجاب له وأطال عمره (اقرأ قصّة الملك حزقيّا الّذي أطال الله عمره خمس عشرة سنة في 2ملوك 20: 1- 6). وما جاء عن مَلْكي صادِق (كشَبَه للمسيح)، يشجّع المؤمن ويُعطيه الأمل في أنّ الله قد يستجيب له ويُطيل عمره من أجل خدمة مُعيّنة: "الّذي، في أيّامِ جسَدِهِ، إذ قَدّمَ بصُراخٍ شديدٍ ودُموعٍ طَلِباتٍ وتَضرُّعاتٍ للقادر أنْ يُخَلِّصَهُ من الموت، وسُمِعَ لهُ من أجل تَقواه" (عبرانيّين 5: 7). أمّا المسيح (المرموز إليه في حياة مَلْكي صادِق)، فقد انتقل إلى الأمجاد بسرعة، ليُمارس كهنوته الّذي يفيد البشريّة أكثر من بقائه في الجسد معهم (عبرانيّين 7: 23). 

الموت قد يكون رحمة للإنسان

صحيح أنّ الموت مُخيف، إلاّ أنّ موت المؤمن هو يوم فرح له، إذ فيه "يخرج" من دنيا الشّقاء والهوان إلى دار الرّاحة والمجد (لوقا 9: 31؛ 2بطرس 1: 15). وهذا التّأكيد هو بسبب ما فعله المسيح ليجعل الموت باب عبور مُفرح إلى ديار الخلود (عبرانيّين 2: 14-15). وقد جعل الله موت المؤمن اختبارًا سهلاً ومجيدًا، إذ "عزيزٌ في عَينَيِ الرّبِّ موتُ أتقيائه" (مزمور 116: 15). فالمؤمن يعلم أنّ روحه ستستقرّ بين يَدَي سيّده الرّبّ يسوع (أعمال 7: 59)، الّذي يُرسل الملائكة لتحملها إليه (لوقا 16: 22). وهكذا، يموت الإنسان المؤمن بشَيبَةٍ صالحة وشبعانًا أيّامًا، وينضمّ إلى قومهِ المؤمنين حيث المسيح، فإنّ ذاك أفضل جدًّا (تكوين 25: 8؛ 35: 28-29؛ فيلبّي 1: 23). ومن جهة ثانية، يستقبل المسيح المؤمن بالتّطويب (متّى 25: 21)، ويرى إلهه وجهًا لوجه. قال أيّوب: "أمّا أنا فقَد عَلِمتُ أنّ وليِّي حَيٌّ، والآخِرَ على الأرض يقوم، وبَعد أن يُفنَى جلدي هذا، وبدون جَسَدي أرى الله. الّذي أراهُ أنا لنَفسي، وعينايَ تَنظُران وليسَ آخرُ. إلى ذلكَ تَتوقُ كُليَتايَ في جَوْفي" (أيّوب 19: 25-27).

حالة الإنسان بعد الموت

يؤكّد الكتاب المقدّس أنّ الإنسان يبقى واعيًا بعد موته (عبرانيّين 12: 23؛ رؤيا 6: 9-11). أمّا كلمة "رُقاد" فتُستخدم فقط لتُشير إلى رقاد الجسد في تراب الأرض (متّى 27: 52؛ يوحنّا 11: 11-13؛ أعمال 13: 36). والادّعاء بأنّ الإنسان لا يُمكن أن يختبر النّعيم أو الجحيم قبل القيامة، يُدحَض كوننا منذ الآن نسعد في حياتنا الأبديّة مع المسيح، وكذلك سنسعد فيها عند انتقالنا لنكون معه في الفردوس، أي الحالة الوسطى حيث يذهب المؤمن قبل القيامة ليكون مع المسيح ويتعزّى معه (راجع وعد المسيح للّصّ التّائب في لوقا 23: 43). ويؤكّد الرّبّ أنّ مَنْ يؤمن بالمسيح ويسمع كلامه له حياة أبديّة (يوحنّا 5: 24؛ فيلبّي 1: 28). أمّا الوعي فيبقى لروح الإنسان بعد خروجها من الجسد، ويُدرك أنّه عند الرّبّ، "فنَثِقُ ونُسَرُّ بالأَوْلى أنْ نتَغرَّبَ عن الجسد ونَستَوطِنَ عند الرّبِّ" (2كورنثوس 5: 8)، حيث الوضع "أفضل جدًّا" (فيلبّي 1: 23).

أمّا الأشرار، فيذهبون إلى "الجحيم"، حيث بإمكانهم أن يروا سُكّان الفردوس وحالة النّعيم الّتي يتمتّعون بها والّتي يُحسَدون عليها (لوقا 16: 23)، لكنّهم لا يقدرون على أن يَعبُروا من مكانهم إلى النّعيم بسبب "هوّة عظيمة قد أُثبِتَت"، وهي تفصل بين المكانين (لوقا 16: 26). يُسمّي بطرس هذا المكان، حيث توجد أرواح الموتى، بـ"السّجن" (1بطرس 3: 19؛ 4: 6)، ويُسمّيها يوحنّا الرّائي بـ"الهاوية" (رؤيا 20: 13-14) حيث يبقى كلّ واحد في مكانه إلى يوم القيامة، حين يخرج ليقف أمام الله الدّيّان ليُرسَل بعدها حسبما يكون الحُكم إلى المكان المناسب، حيث يمكث هناك إلى الأبد (يوحنّا 5: 29؛ 2كورنثوس 5: 10). 

إنّ الكتاب المقدّس يُعلّم بقوّة وبطريقة جازمة أنّ المؤمن بعد موته ينعم بالوجود مع المسيح، أمّا غير المؤمن فيذهب إلى العذاب الأبديّ (دانيال 12: 2؛ متّى 25: 46؛ لوقا 16: 23؛ يوحنّا 3: 36)، وهو حالة نهائيّة لا خروج منها، تُدعى الموت الثّاني، حيث البقاء فيها هو إلى أبد الآبدين (رؤيا 14: 11؛ 20: 14-15).

للموت نهاية حتميّة

لن يستمرّ الموت في خطف أنفس النّاس إلى الأبد. يؤكّد يوحنّا الرّائي ذلك حين يقول: "وسَيَمسَحُ اللهُ كُلَّ دَمعةٍ من عُيونهم، والموتُ لا يَكون في ما بعد، ولا يَكون حُزنٌ ولا صُراخٌ ولا وَجَعٌ في ما بعد، لأنَّ الأمور الأولى قدْ مَضَتْ" (رؤيا 21: 4). أمّا بولس الرّسول فيؤكّد أنّ الغلبة على الموت مؤكّدة، إذ إنّ المسيح قد مات وقام غالبًا الموت بالموت (1كورنثوس 15: 54-55). ولكنّ الموت سيبقى عاملاً بين البشر إلى أن يهزمه المسيح في النّهاية عند انتهاء مسار التّاريخ البشريّ (1كورنثوس 15: 26). 

كلمة أخيرة

في الختام، بعضنا يخاف من الموت، وهذا أمر طبيعيّ وواقعيّ. وكلّنا يتمنّى لو أنّه لا يموت بل يُختطَف على السّحاب مع المسيح (1 تسالونيكي 4: 16-17). لكنْ، لو قُدِّرَ لنا ألاّ نموت، لخسرنا الاختبارات التّالية:

(1) اختبار الموت عينه، الّذي فيه نختبر "خروج" أرواحنا من أجسادنا وعبورها إلى الضّفّة الأخرى، محمولة على أيدي ملائكة الآب، لتصل إلى باب السّماء حيث يستقبلها يسوع (لوقا 23: 43؛ أعمال 7: 55-56، 59).

(2) اختبار الأيّام الطيّبة في الفردوس، حيث يذهب جميع مبارَكي الآب، من المؤمن الأوّل في العهد القديم إلى آخر قدّيس في العهد الجديد (لوقا 16: 22أ).

(3) اختبار القيامة من بين الأموات وتمجيد أجسادنا بعد فنائها ورجوعها إلى التّراب. في كلّ الأحوال، إن اختُطِفنا أو مُتنا مع المسيح، فسندخل فيما بعد إلى الأمجاد إن كان المسيح في حياتنا منذ الآن. لعلّ كلّ مَنْ يقرأ هذه الكلمات، يسأل نفسه إن كانت له حياة أبديّة مع المسيح بعد الموت، فيُدرك حاجته إليها، ويطلب الخلاص بالإيمان، فيكون له رجاء القيامة والحياة الأبديّة. هذا هو وعد المسيح الصّادق: "مَنْ يُؤمِن بي فلَهُ حياةٌ أبديَّة" (يوحنّا 6: 47).