الاصلاح الانجيليّ والمؤسّسات التربويّة

الكاتب:
العدد:
السنة:

في كتابها "وتذكّرت"، أوردت الكاتبة أميلي الراسي قصّة رجل بروتستانتيّ استُدعيَ إلى اسطنبول لأمر ما. فسأله المسؤول عن هويّته ومذهبه، ثم أخيرًا سأله إن كان متعلّمًا أمّ أميًّا؟ فاحتدّ الرجل وحسب السؤال إهانة له وقال: "كيف تسألني هل أنت متعلّم أمّ أمّي. ألم اقل لك إنّي بروتستانتيّ؟ وهل يعقل أن أكون أميًّا؟" هذه القصّة الطريفة تقدّم لنا مثالاً عن مدى ارتباط إسم البروتستانت بالعلم والتربيّة. وهذه حقيقة يعرفها كلّ من يعرف تاريخ الاصلاح الانجيلي والمرسلين الانجيليّين. فأينما انتشروا انتشرت المدارس والجامعات، فساهموا في النهضة الثقافيّة والحضاريّة في المجتمعات. ولكنّ السؤال هو: ما الّذي قاد المصلحين الانجيليّين إلى الاهتمام بالتربيّة واستطرادًا فتح المدارس؟

الانجيل الأساس

عندما ابتدأ الاصلاح الانجيليّ،  فقد ابتدأ من اختبار روحيّ وفكريّ عميق اختبره المُصلِح مارتن لوثر. فذاك الاختبار الذي غيّر حياته تأسّس على الكتاب المقدّس. فصار هذا الكتاب له ولباقي المصلحين الانجيليّين المصدر الوحيد للعقيدة والايمان والحياة وركيزة تفكيرهم وموضع بحثهم. وهكذا قام لوثر بترجمة الكتاب المقدس من الّلغات الأصليّة التي كُتِب فيها وهي العبريّة للعهد القديم واليونانيّة للعهد الجديد الى لغة الشعب الألمانيّة. وقد بذل المصلحون جهودًا كبيرة لايصاله للناس، لكي لا تفوتهم رسالته التي تدعو الجميع إلى الحياة الافضل بالايمان بالرّب يسوع المسيح. ولكن كيف يتعرّف الناس على الكتاب المقدّس إن لم يتعلّموا القراءة والكتابة؟ فلا بدّ من المدارس. وهكذا عملوا على انشاء المدارس لتعليم الناس القراءة والكتابة ليتعرفوا على الأخبار السّارّة التي يتضمّنها الانجيل. كما أنّ العامل الأساسيّ الذي مهّد الطريق وساعد على انتشار المدارس والجامعات كان انتساب بعض مسيحيّي ذلك العصر كايراسموس وغيره الى الحركة الانسانيّة التي ازدهرت آنذاك، والتي أثّرت على المصلحين وشجّعتهم وغيرهم من الناس على الدراسة والتحصيل العلميّ.

الاصلاح وتعليم الجميع

إلاّ أنّ العّامل الآخر الذي ساهم في اقتران اسم الانجيليّين بالعلم، هو التزام المصلحين الانجيليّين الذين حملوا لواء الاصلاح بالتربيّة والتعليم، لقناعتهم بأهميّتهما في اجراء التغيير في حياة الانسان والمجتمع. ومن المصلحين الذين ساهموا في النهضة التربويّة: مارتن لوثر (ألماني) وفيليب ميلنكتون (ألماني) وجان كالفن (فرنسي). فقد طال اصلاح أولئك المصلحين وغيرهم  القطاع التربويّ في أوروبا، في وقت اقتصر فيه التعليم على قلّة من أولاد الميسورين من التجّار والنافذين في المجتمع. شجّع لوثر فتح المدارس من خلال كتاباته ومواقفه. ففي عام 1524 دعا في رسالة أرسلها الى جميع المجالس المسؤولة على ادارة المدن في كلّ ألمانيا، الى  تأسيس المدارس والاهتمام بالتربيّة والتعليم، مؤكّدًا أنّ فرصة التعلّم يجب أن تكون لكلّ فئات المجتمع من إناث وذكور، فقراء واغنياء. ومن الأمور الأخيرة الّتي قام بها قبل موته تأسيس مدرسة في "أيسلبن" مسقط رأسه. وفي العام 1530 أرسل لوثر رسالة بعنوان "في ضرورة ابقاء الأولاد في المدارس" مؤكّدًا للأهل على أهميّة المدارس للافادة الروحيّة والعلميّة التي تقدّمها لأولادهم.

وقد ظهرت نتيجة تشديد الانجيليّين على التعليم والتربيّة في نهايّة القرن السادس عشر من خلال التغيير الذي حصل في أنظمة المدارس من تطوّر للمناهج والأساليب التربويّة في الدول والمناطق التي وصلها الاصلاح الانجيلي، لا سيما ألمانيا، مما جعل الانجيليّين يرسون أسسًا تربويّة قيّمة بنى عليها المربّون اللّاحقون. بالاضافة إلى ذلك فان المصلح لوثر كان استاذًا جامعيًّا في حقل اللاهوت. وتركيزه على دراسة الكتاب المقدس بلغاته الأصليّة الّتي كتب فيها ظهر نتيجته في الجامعة التي علّم فيها، اذ حصل تغيير في مناهجها لتشمل التشديد على اللغات. كما أنّ لوثر اعتقد أنّ منهاج التعليم الكلاسيكيّ القديم الذي يركّز على العلوم الانسانيّة من تاريخ وأدب وفلسفة وحضارات، تزوّد المؤمنين بالسياق التاريخيّ والاجتماعيّ واللغويّ لفهم أفضل للكتاب المقدس كلمة الله. وقد  رفض الفكرة السّائدة لدى الكثيرين آنذاك واليوم أنّ الهدف من التعليم السعي وراء المال، وآمن بأن الهدف الأساس هو التعمّق بفهم كلمة الله.

أمّا المصلح الفرنسيّ جان كالفن، فقد كان محاميًا يحمل شهادة الماجيستير في الحقوق. لقد صرف الوقت الطويل ينهل من ينابيع الثقافة والفلسفة ما رآه مناسبًا ومفيدًا. لقد أُعجِبَ بما قاله الفيلسوف أرسطو وبعض الفلاسفة اليونانيّون القدماء على أنّ هدف التربيّة اكتشاف الفضائل والاخلاق. واعتبر أنّ هذا التفكير ما هو الاّ تحضير لاستقبال حقائق الايمان المسيحيّ، لكنه حذّر من الموافقة على كلّ شيء يقوله الفلاسفة. لقد استخدم كالفن علم المنطق والتحليل الذي استقاه من الفلاسفة ليكون أسلوبًا منهجيًّا يطبّقه على دراسة وتفسير الكتاب المقدس. كما كان من القادة التربويّين الّذين ساهموا في تنميّة التعليم العالي. فإنّه حين كان في جنيف أسّس عام 1559 مدرسة تحضيريّة، ومعهدًا للدراسات العليا تحوّل فيما بعد الى "جامعة جنيف".

أركان النهضة التربويّة في لبنان وسوريّا

وهكذا من الكتاب المقدس، الرّكن لكلّ دراسة وتعليم، انطلق الانجيليّون إلى العالم حاملين كلمة الله التي لا تغيّر فقط الجانب الروحيّ من الانسان، بل كلّ الانسان المخلوق على صورة الله ومثاله. وهكذا وصلوا الى لبنان في بدايّة القرن التاسع عشر. وقد تكرّر نفس الاختبار الذي حصل مع المصلحين الانجيليّين الأوائل، فعملوا على ترجمة الكتاب المقدس من اللغات الأصليّة إلى اللغة العربيّة. ورأس مشروع الترجمة المُرسَل القس الدكتور عالي سميث سنة 1847. وعاونه المعلّم بطرس البستانيّ والشيخ ناصيف اليازجيّ. وبعد 9 سنوات من وفاة القسّ سميث، خلفه القس الدكتور كورنيليوس فانديك الذي أنهى العمل سنة 1865، فسُمِيَت الترجمة بترجمة (فانديك-البستاني)، وهي الترجمة المعتمدة من قبل الكنائس الانجيليّة، كما تستخدمها الكنيسة الأرثوذكسيّة الانطاكيّة، والكنيسة القبطيّة الارثوذكسيّة في مصر. وهنا لا بدّ من ذكر أهميّة المطبعة ودورها الأساسي في تسهيل ونشر الكتاب المقدس وتزويد المدارس والجامعات بالكتب، الأمر الذي ساهمت فيه "المطبعة الأميركانيّة" الانجيليّة لمدّة قرن ونيّف بفرعيها العربيّ والأرمنيّ. وقد برزت هذه المطبعة كإحدى أهمّ دور النشر في هذه المنطقة من العالم، اذ كان لها آنذاك مساهمة فعّالة في نشر الأعمال الأدبيّة والفكريّة التي انتجتها النهضتان العربيّة والأرمنيّة في أواسط القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين.

توجّه المرسلون الانجيليّون بالكتاب المقدس لتأسيس الكنائس والمدارس جنبًا إلى جنب في العديد من المناطق اللبنانيّة والسوريّة. أود أن أسرد قصة ئؤكد على تلازم الكنيسة والمدرسة. "يحكى أن الارساليّة الانجيليّة انتدبت أحد أعضائها القس الدكتور جورج فورد من بيروت لتنظيم كنيسة انجيليّة جديدة في قرية في جنوب لبنان. وفيما هو يودّع زميلاً لبنانيًّا له قال المرسل: "انا ذاهب الى القرية الفلانيّة لتنظيم كنيسة وتأسيس مدرستين. فقال زميله، أنت مرسل لتنظيم كنيسة... فما لك والمدرسة؟ فأجابه لن تحيا الكنيسة بدون مدرسة. ثم تابع زميله يسأل: ولكن لماذا مدرستان؟ فأجابه المرسل، لأنّه حتمًا عندما يسمع اخواننا المسيحيّون من طائفة أخرى أنّني أسّست مدرسة، سيسرعون الى تأسيس أخرى في القريّة ذاتها ليحافظوا على أولادهم من "الهرطقة البروتستانتيّة" وهكذا أكون قد ساهمت بتأسيس مدرستين". وقد كانت المدرسة آنذاك عبارة عن بعض الغرف القليلة إذ كان الواعظ هو نفسه المعلّم. وقد قارب عدد المدارس في مرحلة ما المئة مدرسة، إلاّ أنّها تجمّعت في مرحلة لاحقة في مدارس كبيرة. وقد استفاد لبنان تربويًّا بازدياد عدد المدارس والجامعات على أرضه، نتيجة للتنافس التربويّ بين الارساليّات المسيحيّة التي وفدت الى لبنان. نرى مثالاً على ذلك في تاريخ تأسيس الجامعات. فعندما أسّس المرسلون الانجيليّون "الجامعة الأميركيّة في بيروت" والتي كانت تعرف آنذاك "بالكليّة الانجيليّة السوريّة" عام 1866، أسّس المرسلون اليسوعيّون "الجامعة اليسوعيّة" عام 1875.

أولى المدارس والجامعات

وأسس الانجيليّون عام 1835 أوّل مدرسة (تحمل طابع المدرسة حيث يحصل التعليم داخل جدران الصّف) لتعليم الفتاة في كلّ مناطق نفوذ السلطة العثمانيّة آنذاك، اسمها "المدرسة الاميركيّة للبنات"American School for Girls  التي كانت في ساحة رياض الصلح ثم انتقلت عام 1974 الى منطقة الرابيّة واخذت اسم مدرسة بيروت الانجيليّة للبنات والبنين. والجدير ذكره أنّه في العام 1924 أضيف برنامج من صفّين على المدرسة الأميركيّة للبنات وصارت تُسمّى بِ Junior College. وبعد ثلاث سنوات انفصل هذا البرنامج واستقل عن المدرسة وأصبح يدعى American Junior College for Women ثم انتقل البرنامج الى رأس بيروت عام 1933. وفي العام 1948-1949 أصبح البرنامج أربع سنوات وتغيّر الاسم الى BUC، وفي العام 1994 أصبح اسم الجامعة LAU أي "الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة". ومن الملفت للنظر أن يكون للانجيليّين الّذين لا يُشكّلون واحد بالمئة من نسبة الشعب اللبناني دور في تأسيس ما لا يقلّ عن أربعة جامعات من أصل حوالي 11 جامعة معترف بها خارج لبنان وتعمل حاليًّا على الأراضي اللبنانيّة هي الجامعة الأميركيّة في بيروت، الجامعة اللبنانيّة الأميركيّة، جامعة هايكازيان، وجامعة الشرق الأوسط.

بعد المدرسة الأميركيّة  للبنات في بيروت عام 1835، توالى بناء المدراس الانجيليّة، فتأسّست مدرسة الفنون الانجيليّة في صيدا عام 1862، والمدرسة الانجيليّة في طرابلس عام 1873 ،وغيرها الكثير من المدارس. والآن يوجد في لبنان أكثر من30 مدرسة انجيليّة. وبدخول المدارس والجامعات الانجيليّة الى لبنان والشرق الأوسط دخلت اللغة الانكليزيّة وانتشرت في مناطق عديدة.

الإيمان الانجيليّ وبناء الانسان

آمن الانجيليّون أنّ الكتاب المقدس لا يُخاطب فقط الجانب الروحيّ من الانسان، لكنّه يخاطب كلّ الانسان المخلوق على صورة الله ومثاله. فهو يخاطب شخصيّته ليصقلها ويجعله إنسانًا قادرًا على اتخاذ القرارات المناسبة. ويخاطب فكره لينمّيه ويكتشف مواهبه وقدراته. ويخاطب مواقفه ليجعلها منسجمة مع قِيَم الانجيل الروحيّة والاخلاقيّة، وهكذا يتحقّق كيان الانسان الكامل. وقد لعبت هذه المدارس والجامعات الانجيليّة دورًا تربويًّا رائدّا إذ ساهمت في النهضة الثقافيّة ليس في لبنان فحسب، بلّ في كلّ الشرق الاوسط وعرفت بوطنيّتها ونبذها الطائفيّة، اذ استقبلت منذ تأسيسها كلّ تلميذ مهما كان دينه أو عرقه، فعرف خرّيجوها من أصحاب الفكر الحرّ، والوطنيّة الملتزمة الّتي عملت من أجل بناء الوطن الواحد.