الاقتراض: حلّ أم فخّ؟

العدد:
السنة:

في ظلّ الأوضاع الاقتصاديّة الصّعبة الّتي يعيشها معظمنا، وضغط المجتمع الّذي لا يرحم، بات ربّ العائلة يُصارع لتأمين احتياجات عائلته الّتي لا تنتهي. وتراه في كلّ مرحلة يحتاج فيها إلى شراء غرض معيّن أو يعجز عن تسديد فواتيره يتّكل على الاقتراض من صديق أو من مُرابٍ أو من مصرف!

وظاهرة القروض الشّخصيّة المتزايدة فهي ظاهرة خطيرة تهدّد مستقبل العائلات والأفراد اليوم. قلّة من النّاس لا ترزح تحت وطأة الدّيون، نتيجة التّضخّم والزّيادة المستمرّة في نفقات المعيشة، بالإضافة إلى أنّ الدّخل الفرديّ، مهما زاد، لا يقدر على توفير كافّة الاحتياجات. فتبقى  القروض هي الحلّ. ولكن، هل تُريحنا هذه القروض أو تزيد على حياتنا أعباءً وبؤسًا ومصائب؟

الاقتراض ليس عيبًا، طالما يكون استعماله لحاجات أساسيّة وإنتاجيّة. كان النّاس سابقًا يقترضون لتأمين عمل أو مسكن أو لمواجهة طوارئ الحياة، بينما، اليوم، صار مبدأ الاقتراض مرتبطًا بحبّ الظّهور والبذخ والتّرفيه. وأمسى يُسيطر على النّاس النَهَم للحصول على كلّ ما تشتهي أعينهم، فيقترضون لأتفه الأسباب، كإجراء عمليّات التّجميل وشراء الألعاب الإالكترونيّة والملابس الفاخرة، وغيرها من الأغراض الثّانويّة الّتي يمكن الاستغناء عنها بسهولة. وتقود هذه العادة كثيرين ليصيروا عُرضة للمُساءلة القانونيّة، أو حتّى للسّجن، عند عجزهم عن سداد المستحقّات. فمن المهم جدًّا أن نعرف متى وكيف نلجأ للاقتراض، وكيف نتعامل معه بيقظة، مُدركين عواقبه فنتحاشى تراكم الدّيون.

دور المصارف

تتفنّن المصارف و"الكونتوارات" في ترويج منتجاتها من القروض الشّخصيّة، وتقوم بحملات تنافسيّة، حيث تشجّع بكثافة على الاقتراض لتأمين كلّ ما تشتهيه نفس الإنسان، من دون أن تبالي بحالة المدين. فلننتبه إلى مغرياتها. إذ لن نرى يومًا إعلانًا مصرفيًّا شعاره "ما توفّره أنتَ اليوم يُغنيك عن قرضِنا غدًا، لأنّ توفيرك لا يدرّ ربحًا على المصرف كقرضك". ما يجب أخذه بعين الاعتبار هو أنّ المصارف، عند منحها الدّيون، تضع ضوابط تأخذ في الحسبان مقدرة الأفراد على التّسديد وفق مستوى مدخولهم. ومن المعترف به، أنّ القرض الممنوح يُبنى على أساس سقف تسديد لا يتعدّى ثلث المدخول، ليتبقّى له ما يكفي لسداد مصاريفه الأخرى. ويمكننا القول إنّ هذا الشّرط هو الضّابط الأهمّ لمن لا يملكون الوعي الكافي لمخاطر الاقتراض، ويحميهم من جرّ أنفسهم إلى دوّامة الغرق في الدّيون.

مسؤوليّة الكفيل

الكفيل هو ضمانة المصرف عندما يعجز صاحب القرض عن إيفاء ديونه. ببساطة، إن لم يُسدّد المقترض ما عليه، على الكفيل دفع الدّين. فعلى كلّ مَن يرغب في أن يكون كفيلاً لأحد أن يسأل نفسه: "هل أنا مستعدّ لأن أسدّد المبلغ في حال لم يسدّده المقترض؟"، وعلى كلّ مَن يطلب من أحد أن يكفله أن يسأل نفسه: "إن عجِزتُ عن إيفاء ديوني، هل أنا مستعدّ لأن أضع كفيلي في وضع مُحرج كهذا؟". من المهمّ أن نعي أنّ الكفالة التزام وواجب ومسؤوليّة. وعلى كلّ مَن يطلب أو يقوم بدور الكفيل أن يتحلّى بالواقعيّة والصّراحة والقرار الصّائب، وأن يتعلّم من كلمة الرّبّ: "لا تكن من... ضامِني الدّيون. إن لم يَكُن لكَ ما تَفي، فلماذا يأخُذ فِراشَك من تَحتِك" (أمثال 22: 26-27).

نتائج الاقتراض

النّتيجة الإيجابيّة المباشرة هي تسديد الحاجات الماليّة الملحّة، كالمسكن والتّعليم والطّبابة والحوادث الطّارئة أو دعم مشروع مُنتج للمال. بينما الآثار السلبيّة كثيرة. أوّلها الآثار النّفسيّة والاجتماعيّة السّلبيّة الّتي تسيطر على مَن يقع تحت وطأة الدّيون، وتؤثر في وضعه النّفسيّ وتتركه مُحبطًا وقلقًا، وبخاصّة إذا لم تتوفّر له موارد دخل إضافيّة.

ترى مثلاً، اليوم، كلّ مَن يفكّر في الزّواج يستعجل للحصول على كافّة التّسهيلات المصرفيّة للإنفاق على مصاريف الاحتفالات الفاخرة، ناهيك عن قرض شهر العسل وشراء البيت وتجهيزه والسيّارة وغيرها، حتّى ينتهي به الأمر مُتحسّرًا ومغمورًا بالدّيون المتراكمة الّتي تُثقِل كاهله، فينطبق عليه المثل القائل: "إلّلي بيتجوّز بالدّين بيجوا ولادو بالفايض". وهناك مَن اعتاد على الاقتراض من المصرف سنويًّا لقضاء فرصة مع العائلة، فيظلّ يُسدّد من راتبه طوال السّنة، ثم لا يلبث أن يطلّ الصّيف الجديد ليقترض ثانية أمام إغراء البنوك، ويصبح بذلك كالجاهل الّذي يُتلف ثروته (أمثال 21: 20). أمّا أسوأ ما يمكن أن يحصل في عمليّة الاقتراض، عندما يتعثّر الإنسان في تسديد التزاماته، فهو أن يلجأ إلى الاستدانة من مصدر آخر ليسدّد قرضه الأصليّ، فينتقل من سيّىء إلى أسوأ. في هذه الحالة، ما عليه إلاّ أن يحاول إعادة جدولة سنداته لئلاّ يزيد "الطّين بلّة".

ما هو الحلّ؟

عدد كبير من المؤمنين التزم مبدأ عدم الاستدانة الّذي علّمه الرّسول بولس :"لا تكونوا مديونين لأحدٍ بشيء"(رومية 13: 8). هؤلاء لا يستيدنون ما لم يملكوا القدرة على إيفاء الدّين، لئلاّ يُصبحوا كالشّرّير الّذي يستقرض ولا يفي (مزمور 37: 21). أمّا قرار الاقتراض فيعود إلى كلّ فرد في النّهاية. وهنا يأتي دور رغبات الإنسان وقِيَمه والمكانة الاجتماعيّة الّتي يريدها. ويلعب الوعي في ترتيب الأولويّات والقدرة على إدارة الشّؤون الماليّة دورًا كبيرًا في تحديد ما إذا كنّا سنقترض أم لا. فإن كان الاقتراض من النّوع الإنتاجيّ الّذي يُساعد على تكوين رأسمال، أو من النوع الاستثماريّ في برامج تعليميّة لأفراد الأسرة، أو احتياجات طارئة أو طبيّة، فهذا أمر يُبرّر الاقتراض.

ويتجنّب الحكماء الاقتراض لشراء ما يمكن الاستغناء عنه، أو عيش حياة البذخ على مستوى يتجاوز قدرتهم الماليّة، ويكتفوا بما عندهم، لأنّ القناعة كنز لا يفنى والحياة المقتَصِدَة حياة محترمة. فالمكتفي هو ليس مَن لا يملك المال، بل مَن لا يشتهي ويطلب الكثير. وهنا، لا بدّ من التّحذير من العروض الجذّابة الّتي تُغرِق المجتمع الرأسماليّ. فالإنسان الحكيم المكتفي يتعلّم من المثل القائل: "على قدّ بساطك مدّ رجليك". تذكّر: أنّ الدّين هو همّ في اللّيل ومذلّة في النهار، والقرض أوّله فرحة وآخره فاتورة من الدّيون تقصف الظّهر والطّموحات. أمّا الأمناء، في حال اضطرّوا للاستدانة، فيحرصون على أن يُسدّدوا ما عليهم ضمن المهل المتّفق عليها (لوقا 16: 2) لئلاّ يُحسبوا سارقين، فيُعاقبون حتّى يوفوا الفلس الأخير (متّى 5: 23-24).

يبقى الحلّ هو في تعليم النّاس الحكمة في إنفاق المال (لوقا 14: 28)، لئلاّ يصير المقترِض عبدًا للمقرِض فيتسلّط عليه (أمثال 22: 7)، ويهينه ويذلّه (تثنية 28: 44-45). إذًا، علينا أن نتمتّع بالوعي، ونقنع بما أكرمنا به الله، نحسب نفقاتنا، ونبتعد عن الاقتراض طالما تمكنّا من ذلك. وإن اقترضنا، فلنكُن أمناء ونفِ ما علينا بحسب ما يُعلّمنا إلهنا.