الحاجة إلى السلام

الكاتب:
العدد:
السنة:

السّلام كلمة باتت شِبه مفقُودة في العالم وفي القاموس البشري. يطلبه البشر ويستحيل عليهم الحصول عليه.

علينا الاعتراف بأننا نعيش وسط عالم فاقد للسّلام، يَئِنّ يومياً تحت وطأة الهموم الكثيرة والضيق والمصاعب والاضطرابات. عالم يفتقر إلى الاطمئنان وراحة البال ملؤه القلق والمخاوف، ويتوق إلى الحصول على السلام والتمتّع به، إلى درجة أنه يستخدم شتىّ أنواع الطُرق، ولو بالحرب، للحصول عليه. وسط هذه الأجواء الملبّدة يأتي صوت المسيح المعزّي قائلاً: "سَلاماً أتركُ لكُم. سَلامي أُعطيكُم. ليسَ كما يُعطي العالم أُعطيكُم أنا. لا تضطَرب قُلوبُكُم ولا ترهَب" (يوحنا 14: 27). لم يسبق في التاريخ البشري كلّه أن أعطى أحد مثل هذه التعزية. فالسلام الإلهي يختلف عن السلام البشري والعالمي، لأن المسيح يمنحنا سلامه الشخصي والخاص. وهو ما لا يؤمنه لنا العالم، لأن فاقد الشيء لا يُعطيه.

المسيح يعطي السّلام لأنّه رئّيس السّلام. يمنح السّلام لأحبّائه الذين افتداهم واشتراهم بدمه. ويخبرنا الرّب يسوع عن هذه الظروف التي نَمُرّ فيها: "قد كلّمتُكُم بِهذا ليكونَ لكُم فيَّ سَلامٌ. في العالم سيكونُ لكُم ضيقٌ، ولكن ثِقُوا أنا قد غَلبتُ العالم". والنتيجة مضمونة بالرغم من الضيق لأن الغلبة هي دائماً للرّب. ونحن لا نستغرب عدم تمتّع العالم اليوم بالسّلام مع أنّه يطالب به ويسعى جاهدًا للحصول عليه، ورغم كل المعاهدات والدعوات المتتالية لتحقيق السّلام العادل والشامل في العالم. لمَ لا يتحقّق ذلك؟ يكمن السبب في أن العالم يسعى إلى السّلام بمعزل عن المسيح رئيس السّلام! لا يقدر الإنسان أن يحصل على سلام الله من دون معرفته. وإن عرفه واقتناه يصبح مؤسساً على الصخر ويقدر على أن يُواجه اضطرابات الحياة ويصمد أمام أمواجها الهائجة.

طُلب من رسّامين أن يصفا السّلام في لوحاتهما. فرسم الأوّل نهراً هادئاً يُشرف عليه بيت صغير وحوله أشجار ترفّ عليها عصافير، وشمس ساطعة تُطلّ من غيمة بيضاء، وكتب على اللوحة هذا هو السّلام. أمّا الآخر فشبّه السّلام بليلة عاصفة، يهطل فيها المطر بغزارة، ويخبط الموج الصخر بقوة، وعلامة البرق تلمع في السماء بكثرة، والرياح تعصف بشدّة، وعصفور صغير في حفرة في قلب الصخرة ورأسه تحت جناحيه مستغرقًا في نوم عميق! وكتب في أسفل اللوحة: هذا هو السّلام، القدرة على النوم وسط العواصف! هنا أتذكر قول المرنّم في المزمور: "بسلامَةٍ أضطجعُ بَل أيضاً أنام، لأنّكَ أنتَ يا ربُّ مُنفَرِدًا في طمأنينةٍ تُسَكّنُني". نحتاج إلى سلام المسيح وسط هذا العالم المضطرب. فالسّلام المفقود ليس بعد مفقودًا، بل موجودٌ فقط عند ربّ السّلام، يبقى علينا أن نطلبه. "بسلامَةٍ أضطجعُ بَل أيضاً أنام، لأنّكَ أنتَ يا ربُّ مُنفَرِدًا في طمأنينةٍ تُسَكّنُني"