الراديو والتموجات الروحية

الكاتب:
العدد:
السنة:

 إنَّ أول إنسان تكلَّمَ عن نظرية موجَات الراديو هو العالِم المسيحي جايمس كلارك ماكسويل. فإن دراسَاتَهُ عن الضوءْ أدَّتْ بهِ إلى إكتشاف النظريَّة الكهرومغناطيسيَّة وفي سنة ۱۸٦۵ أثبتَ حتميَّة وجود موجَات الراديو. حوالي سنة ۱۸۸۵ إكتشفَ العالِم الألماني هاينريتش رودولف هيرتذ موجَات الراديو واستطاعَ أيضًا أن يقيسَها.

          بحلول سنة ۱۸۹۰، إستطاع إدوارد برانلي تحويل الذبْذَبَات الصوتيَّة إلى موجَات كهرومغناطيسيَّة الأمر الذي يُساعد على إلتقاط الراديو. وفي سنة ۱۸۹۱ تمكَّن جاغليلمو ماركوني من دمج آلات هيرتذ وبرانلي ليَبْعَثَ برسالةٍ صوتيَّة ناجحة عبر الأطلسي. في المراحل الأولى لإكتشاف الراديو كانت الرسَائلُ عبارةً عن كوداتٍ تحوَّلتْ فيما بعد إلى ذبْذَبَاتٍ صوتيَّة.

          إنَّ إكتشاف الراديو هو حدثٌ عالمي بحدِّ ذاته. البث الفعلي للراديو بدأ في سنة ۱۹۲۰، إلا أن العدد القليل من الناس كانَ يملكُ آلة الراديو لسماع صوت المُذيع، الأمر الذي بدأ بالتغيُّر مع السنين حيث أصبح الراديو في مُتناول الجميع تقريبًا. وفي سنة ۱۹۲۱ بثَّت إحدى المحطَّات المسيحيَّة أول خدمة دينية مُباشرةً على الهواء، الحَدَث الذي سبَّبَ الدهشة والإعجابْ. هذا واستمرَّ البث الحي للخدمات الدينية في مدينة بيتسبرغ الأمريكية حتى سنة ۱۹٦۲.

لم يكن يوجد في العالَم آنذاك تأثيرٌ للراديو على المجتمعات من الناحية الدينية والروحية كما في المجتمع الأمريكي الذي عاصرَ إكتشاف وتطوُّر الراديو على مدى عقودٍ من الزمان. وفي زمن وجود البرامِج والخَدَمات الروحيَّة المُتنوعة على الراديو في أيامنا المعاصرة، لا نغفَل الإشارة إلى أنَّ العديد من خدام الإنجيل كانوا يعتبرون الراديو أداةً شريرة وتحفَّظوا على إنتشارها وتأثيرها ورفضوا إستخدامها في نشر الإنجيل. إلا أنَّ البعض الآخر إغتنمَ هذه الفرصة الرائدة، مثل بول رادار، الذي أنشأ محطةً مسيحيَّة لبَثْ البرامج الدينية. فهذا النمو السريع لمحطات الراديو المسيحيَّة حتَّم قونَنَة البرامج الروحيَّة ومهَّدَ السبيل أمام حصول أول مؤتمر في أمريكا يبحثْ في موضوع تنظيم بث الراديو المسيحي في كنيسة مودي التذكارية في مدينة شيكاغو سنة ۱۹٤٤.  

          نرى في أيامِنا الحاضرة أنَّ الراديو هو أحدُ أهم العناصر في نجاح الخدمة التبشيريَّة المسيحيَّة، ولا سيما في البلدان التي يصعُبُ وصول الإنجيل إليها. فلا شكَّ بأنَّ الراديو لا يعرف حدوداً ولا يتأثَّرُ بالحواجز والحدود. فهو يستطيع الولوج إلى كل المجتمعات ولا يقف عند جدران العِرق أو الدين أو الهُّوية أو الإنتماء.

          لا بُدَّ أن ماركوني كان يتطلَّع إلى الأفق البعيد ويتسائل عن كيفية إختصار المسافات التي تفصل بين الناس والمجتمعات وبين الله والإنسان. فإذا كانت الصلاة تُقرِّب الفرد من الله، فحتمًا إنَّ الراديو يُقرِّبُ الله من الناس عن طريق البث التبشيري. لا شكَّ أنَّ الراديو يُشكِّلُ أداة مهمَّة في نشر كلمة الله وفي مختلف اللغات، فالجميع يسمع عن الإنجيل وبلُغتِّه الخاصَّة غيرَ مُتأثِّرٍ بأي حواجز ماديَّة كانت أم عقائديَّة.