الرّاعي في مواجهة الأزمات

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

قليلون يعرفون ما يواجه راعي الكنيسة من أزمات وتحديّات. يصف الدّكتور "كريزويل" أعداء الرّاعي بـ"لَجِئون" (أي جيش من الشّياطين)، إذ لا يمرّ يوم واحد لا يواجه فيها الرّاعي التّجارب، بما فيها تجربة الاستسلام وترك الخدمة الّتي هي تجربة قاسية للغاية. تقول الإحصائيّات في هذا المجال إنّ واحدًا من عشرة من الّذين يبدأون خدمة الرّعاية، يتوقّفون عنها لسبب أو لآخر في مرحلة ما على الطّريق. وإن بَحَثنا في ماهيّة هذه الأزمات الّتي تواجه الرّعاة، لوجدنا أنّها تتراوح بين الأزمات الصّحيّة والعائليّة والضّغوط الماديّة والاقتصاديّة من جهة، والآلام النّفسيّة الّتي يُعاني منها بسبب عمله مع النّاس من جهة أخرى. فالرّاعي في خدمته الرّعويّة يواجه الغيرة المرّة، والتّذمّر، والرّفض، وقلّة الاحترام، وعدم التّجاوب، والانتقاد وعدم التّقدير لخدمته من قبل قادة أو أعضاء في الرّعيّة عينها أو من السّلطات الكنسيّة. ناهيك عن الاضطهاد مِمَّن هم من خارج، والجهاد المستمرّ ضدّ الخطيّة والتّجارب الّتي يُحيكها الشّيطان ليرهق الرّاعي الفعّال والنّشيط، ولكي يخرّب بواسطتها خدمته المثمرة والنّاجحة ويكسر به سفينة الإيمان والخدمة.

وعند اشتداد التّجارب، يفتكر بعض الرّعاة بترك خدمتهم، وهي أشرّ الحلول، أو تغييرها، وهي أقلّ الحلول ضررًا وإن كانت ليست دائمًا الأنسب، أو قد يندفعون إلى التّمسّك بخدمتهم عالمين أنّ ملاك الرّبّ يقف إلى جانبهم وأنّ الله لا يدعهم يُجرَّبون فوق ما يستطيعون أن يحتملوا. قد يكون دعم صديق مُخلِص أو زوجة حكيمة في ظروف كهذه، من وسائط النّعمة الّتي يستخدمها الله لتشجيع الخادم ودفعه للمثابرة في الخدمة. لكن، ما يُساعد الرّاعي على مواجهة الصّعوبات والأزمات في حياته هو توقّعه المُسبَق والدّائم للرّمي بالحجارة والسّهام من كلّ نوع، ومن كلّ حدب وصَوب. فهو ليس أفضل من سيّده المسيح الّذي اضطُهِد وأُسيء إليه من القريبين والبعيدين على حدّ سواء، ولا أفضل من الرّسول بولس الّذي سُجِن وضُرِبَ ورُجم وجُلِد مرارًا وتكرارًا، وتعرّض للخيانة والرّفض من المؤمنين والأخوة الكذبة.

وإن لم يوجد قرب الرّاعي المتألّم مَن يُشجّعه، قد يشعر بأنّه متروك لوحده فييأس الحياة، كما حصل مع النّبيّ إيليّا في يوم من الأيّام. قد يكون أفضل ما يُعزّيه في أيّام الضّيق هو أن يتذكّر الرّسول بولس الّذي، عندما تركه الجميع، وقف معه ملاك الرّبّ وقوّاه. يتشجّع مَن يقرأ الكتاب المقدّس، إذ يرى أنّ جميع الّذين ساروا في درب الخدمة الوعرة كان لهم تشجيع غير اعتياديّ من حضور الرّبّ في حياتهم، الأمر الّذي دفعهم إلى إلقاء همّهم عليه، إذ هو يعتني بهم دون سواه؛ وإن وقعوا في صعوبات ولم يعرفوا ماذا يفعلون، طلبوا معونته فأعانهم بكلّ تأكيد.

على الرّاعي الذي يُواجه الأزمات أن ينتبه ألاّ يقع فريسة القلق والأرق والتّوتّر، أو أن يُستدرَج من قبل أناس معادين فيُنهكوه بالدّفاع عن نفسه. عليه أن يثق بأنّ إلهه يُحامي عنه، ويُخرِج مثل النّور بِرَّه، أمّا هو فينتظر الرّبّ وقدرته على تحويل الأمور للخير. ولتكن الأزمات فرصة لمراجعة النّفس، والنّموّ في الفضائل المسيحيّة وحمل الصّليب واتّباع المسيح حيثما يمضي. ويجب ألاّ ينسى الرّاعي يومًا أن سيّده حمل صليبه، تاركًا له مثالاً في تحمّل الآلام، وما عليه هو سوى أن يبقى سائرًا خلفه في كافّة الدّروب، مهما كانت مليئة بالأزمات والمتاعب والصّعوبات.

في الختام، لا بدّ من التّذكير بأنّ كلمة الله توصي المؤمنين بأن يعرفوا الّذين يتعبون من أجلهم ويُدبّرونهم في الرّبّ، وأن يعتبروهم كثيرًا جدًّا في المحبّة من أجل عملهم، فإن لم يفعلوا هذا لما استفادوا من خدمة رعاتهم لهم. إلاّ أنّ همّ الرّاعي المُخلِص ليس أن ينال الإكرام والشّكر من البشر، بقدر أن يكون أمينًا في خدمته الرّعويّة، فيجعل منها عملاً صالِحًا وناجحًا ينال عليه إكليلَ الحياة من رئيس الرّعاة الّذي شرّفه بدعوته العليا إلى خدمته المباركة.