العزوبيّة والعقم وضغط المجتمع

الكاتب:
العدد:
السنة:

اليوم كما الأمس يقسو مجتمعنا بطريقة تعاطيه مع الشّخص العازب أو العاقر رجلاً كان أو امرأة، فيُسيء التّعامل معه بقصد أو بغير قصد من خلال توجيه نظرات الشّفقة إليه أحيانًا أو الشّماتة والاحتقار أحيانًا أخرى. فيصبح كل يوم عرضة لتعليقات جارحة ومسيئة ممّا يُسبّب له الكثير من الآلام النّفسيّة والشّعور بالدّونيّة وبفقدان الثّقة وأحيانًا بالذّنب. فمثلاً، ما يلبث الشّاب أو الصّبيّة أن يتجاوز العشرين حتى يسمع في كلّ مناسبة عبارة "نفرح منّك" وإذا تجاوز الثّلاثين دون أن يتزوّج يسمع عبارة أخرى "شدّ الهمّة شو ناطر". وما إن يتزوّج حتى يسمع عبارة جديدة "نفرحلك من عريس" وكأنّ فرحة الحياة لا تكتمل إلاّ بالزّواج والإنجاب. كل هذه التّمنيّات وإن صدرت من قلب صادق فهي تشكّل ضغطًا كبيرًا وألمًا في قلب من يرغب في الزّواج أو الإنجاب لكنّ الأمر خارجًا عن إرادته، طالما لم يسمح الله بعد في ذلك. كلّ هذه الأمور إذا تفاقمت تُحدث اكتئابًا وإحباطًا وتدفع بالشّخص إلى الانزواء وعدم الاختلاط مع الآخرين تجنُّبًا لأيّ إساءة. وما يزيد الأمر تعقيدًا له هو عندما نسرع ونلوم نفسه المُرّة والحزينة.

هذا تمامًا ما حدث مع إحدى النّساء القدّيسات في العهد القديم "حنّة". يُخبرنا الكتاب بأنّها كانت مُرّة النّفس وحزينة الرّوح من كثرة كربتها وغيظها. فلقد كانت عرضة للإساءة والتّهكّم والسّخرية من ضرّتها لعدم قدرتها على الإنجاب. وسط هذا الألم واليأس اختارت حنّة الشّخص المناسب، وتوجّهت إلى الرّبّ لتسكب نفسها أمامه، متيقّنةً أنّه الوحيد القادر أن يُدرك حقيقة مشاعرها وألمها وبيده وحده الحلّ. لم يلمها الرّبّ على مرارة نفسها ولا على كآبتها ولا ولم يوبّخها على قلّة إيمانها أو ضعف ثقتها به. بل بالعكس أتاها بما سألت، وأعطاها صبيًّا فدعت اسمه "صموئيل" لأنّ الرّبّ سمع لصوتها، وهي بدورها وَفَت بوعدها وقدّمته للرّبّ، فكان نبيًّا عظيمًا. فعاد الرّب وأكرمها بعدّة أولاد.

لكلّ متألّم أقول: لا تدع ضغط المجتمع وما يسبّبه لك من آلام أن يُفقدك سلامك مع الله، تَوَجَّه إليه وحده فهو الرّبّ الّذي لا يعسر عليه أمر وانتظره برجاء وثقة، فهو الوحيد الّذي يعرف ما هو لخيرك وأنّه في وقته سوف يُسرِع به. وللأشخاص المحاطين بأُناسٍ متألّمين للأسباب عينها، تصرّفوا معهم بحكمة، لا تؤذوهم بتعليقاتكم اللاّذعة ولا توبّخوهم على حالتهم النّفسيّة بل ضعوا أنفسكم مكانهم ولو للحظات فستشعرون حقًّا بما يشعرون به. شُدّوا على أيديهم بكلماتٍ معزّية وارفعوهم بصلواتكم  وردّدوا لهم ما قاله الكاهن عالي لحنّة: "اذهبي بسلام وليُعْطِك الرّبّ سُؤلَ قلبك الذي سألته من لدنه".