الغفران، مسؤوليّة واختيار

الكاتب:
العدد:
السنة:

الغفران، أو المسامحة، واجب مسيحيّ وأخلاقيّ لكنّه ليس اختيارًا مرغوبًا فيه. يغفل النّاس حين يردّدون في الصّلاة الربّانيّة "إغفر لنا ذنوبنا كما نغفر نحن أيضًا للمُذنبين إلينا"، أنّهم يتعرّضون لحكم المسيح المبرَم: "وإنْ لم تغفروا للنّاس زلاّتهم لا يغفر لكم أبوكم أيضًا زلاّتكم" (متّى 6: 15).

يغفر بعضهم خوفًا من النّتائج غير المرضيّة، المنبثقة من مبدأ الزّرع والحصاد "الّذي يزرعه الإنسان إيّاه يحصد أيضًا". بعضهم الآخر يتمنّى، لكنّه عمليًّا لا يقدر على أن يغفر لغيره. إنّ العبد الّذي سامحه سيّده مُتحنّنًا لم يقدر على أن يرحم رفيقه؛ لم يختبر الغفران فلم يتحقّق فعليًّا في حياته. فغضب سيّده وسلّمه إلى المعذِّبين حتّى يُوفي كلّ ما كان عليه. نجد هذه القصّة في إنجيل متّى 18: 21-35. علّق يسوع على المثل بالقول: "هكذا أبي السّماويّ يفعل بكم إنْ لم تتركوا من قلوبكم (باختياركم) كلُّ واحد لأخيه زلاّته".

كما نغفر نحن أيضًا

ليست العبارة: "كما نغفر نحن أيضًا"، شعارًا إعلانيًّا أو مجرّد طلبة دُعائيّة بل هو مسؤوليّة اختياريّة. مفادها: اصفح عنّا يا ربّ لأنّنا نحن، بالتّالي، قد اتّخذنا قرارنا بأن نصفح عن المسيئين إلينا". وهكذا، يصبح الطّريق سهلاً عندما يتجاوب المرء بسرعة، مهما كان الظرف قاسيًا، فيقول: "يا ربّ، لقد اخترت أن أغفر له (لها) باسمك. أنا متألّم ومنزعج، لكن من أجل مشيئتك أنا أسامح". عندها يختبر الوعد في 1يوحنّا1: 9 "إنْ اعترفنا بخطايانا فهو أمين وعادل، حتّى يغفر لنا خطايانا ويطهّرنا من كلّ إثم". العمليّة إذًا مزدوجة، وفيها أخذ وعطاء، نوال وممارسة.

ليست القضيّة دفاعًا عن النّفس بقدر ما هي ثقة بالنّفس. عدم الغفران هو محاولة الدّفاع عن الذّات، أمّا ممارسته فهو دليل على الثّقة والثّبات. ماذا يحدث عادة؟ يؤجِّل الإنسان الغفران إلى وقت لاحق، فيحصد مأساة. عندما يخطئ أحدهم ضدّنا يتحرّك القلب والعاطفة قبل العقل والمنطق اللّذين يحاولان التّحليل وإيجاد الأعذار، أمّا القلب المجروح، فتكون ردّة فعله المباشرة والسّريعة الرّفض أو الثّأر أو المقاومة. لا يبرّر الإنسان الحكيم ردّة أفعاله بأن يقول: "أنا لا أكرهه إنّما أكره أفعاله"، ثمّ يتجنّب المسيء إليه أو يرفضه أو يتصدّى له، بل يفحص دوافعه ويتملّك مشاعره. "ومالك روحه خير ممّن يأخذ مدينة" (أمثال 16: 32). 

إنّ مسؤوليّة اختيار الغفران تحتاج إلى تخطيط مسبق، وإلى تقرير مبدأ حياتيٍّ يعيشه الإنسان قبل الوصول إلى التّجربة. إنّه قبول للمبدأ وتطبيقه قبل المواجهة، أو حتّى قبل التّفكير في إمكانيّة حدوث أيّة مواجهة.

خطواتٌ في سبيل اختيار طريق الغفران

مَن يرغب في اختيار الغفران طريقًا له عليه أن يقرّ بضعفه البشريّ وحاجته إلى نعمة المسيح. لقد أكمل المسيح عمليّة الغفران على الصّليب، وهو يحقّقها للبشر بقوّة قيامته. ليس هناك إنسان قويٌّ أمام الإساءات وحالات الغضب. حين يكون الجرح عميقًا والمسامحة مستحيلة، على المرء أن يسمح للمسيح بأن يعيش في داخله ليفعل ذلك عنه. فعندما يتعرّض لنور المسيح يمكنه أن يتحسّس مسؤوليّته ودروه في المصالحة، وأن يتحرّر من الغضب والمرارة، وأن يتمتّع بالسّلام مع الآخر. ومَن يريد الدّخول إلى دائرة غفران الله، عليه، أيضًا، أن ينمو في حياته التّعبّديّة. كلّما زادت الحاجة زادت الرّغبة ومن ثمّ المسؤوليّة. تعتمد الصّحة الرّوحيّة على حياة الصّلاة  عند الفرد. لا  قوّة أو شفاء روحيّ أو غفران من دون صلاة، ففيها يسلِّط الربّ نوره على مجموعة من الحوادث الّتي لم تعالَج، والّتي هي وراء المشاعر السّلبيّة.

عندما يكشف الرّبّ هذه الأمور يكون المصلّي قد دخل مرحلة التّدريب الّتي تهيّئه لاختيار مبدأ الغفران وتطبيق تعليم المسيح عن نكران الذّات وحمل الصّليب. إنّ إلقاء اللّوم على الآخرين لتبرير ردّات الفعل المغلوطة هو خطيّة في نظر الله. فهو يُبرز كبرياء القلب، ويقود إلى الترفّع عن الآخرين واعتزالهم، فلا يحصل غفرانٌ ولا تتمّ مصالحة. لكنّه، في اختياره للغفران، يتمثّل بالمسيح الّذي حمل آثام البشر على الصّليب وتألّم بسببها لكي يمنحهم برّه. عندها، تصبح صلاته: "يا ربّ، ساعدني كي أحمل الصّليب فيموت فيّ موقف الفرّيسيّ القائل: أنا لست كذاك العشّار. اصلب فيَّ الذّات والكبرياء. أعنّي لكي أغفر لفلان المزعج، الّذي لا يستحقّ هذا الغفران لأنه تسبّب في أذيّتي".

نتائج السّير في طريق الغفران

إنّ عدم الغفران هو الجذور الكامنة وراء التوتّر في العلاقات بين البشر. يُقرّ السّواد الأعظم بالمبدأ العامّ للمسامحة، إلاّ أنّهم يصارعون معه في الاختبار العمليّ. وهكذا، تتسرّب الخطيّة عميقًا داخل كيانهم من دون قصد أو حتّى انتباه منهم. تكمن صعوبة المسألة في ظنّهم أنّهم سامحوا، لكنّهم  في الحقيقة تجاهلوها، ليس إلاّ! لذا فإنّ اختيار الغفران يذهب بالمرء أبعد من المبدأ، إلى حيّز الاختبار العمليّ في نواله وفي تقديمه.هناك ارتباط وثيق بين حتميّة هذا الأمر وبين اختيار السّير في طريقه. هنا نصل إلى ناحية المسؤوليّة، لأنّ الحتميّة لا تُلغي الاختيار، والضّرورة لا تُلغي عملية اتّخاذ القرار؛ تمامًا كقضية قبول نعمة الخلاص بالإيمان.

يجب أن يصبح الغفران أسلوب حياتك. ولكي تسير في طريقه من الضّروريّ أن تجيب عن أسئلة كهذه: كيف أفكّر في الآخرين أو أتحدّث عادة عنهم؟ كيف أكتشف مشاعر عدم الغفران الّتي تعشّش في قلبي وأعالجها؟ هل أواجهها أو أخفيها؟ كيف أتصرّف وقت الغضب؟

إنّ السّير في طريق الغفران هو عامل هامّ في النّموّ الصّحّي والصّحيح للشّخصيّة وللعلاقات الإنسانيّة. إنّه يحمينا، بل يحرّرنا من السّلبيّة والتّوتّر ودفن المشاعر الّتى تتحوّل مع الزّمن إلى جذور للمرارة المدمِّرة. وعندما يتحرّر الإنسان يصبح صانع سلام. يقول المسيح: "طوبى لصانعي السّلام لأنّهم أبناء الله يُدعَون". وصانع السّلام هو الّذي ينشر البرَكَة أينما حلّ.

عدم الغفران هو كالأخطبوط،يتشبّث بنا ويقيّد قدرات قلوبنا، فلا نتمكّن من ممارسة المحبّة بحريّة وكمال. لقد أمرنا المسيح قائلاً: "أحبّوا أعداءكم وباركوا لاعنيكم". وشرح الرّسول بطرس هذا الأمر بقوله: "والنّهاية، كونوا جميعًا متّحدي الرّأي بحسّ واحد، ذوي محبّة أخويّة، مُشفقين، لطفاء، غير مُجازين عن شرّ بشرّ أو عن شتيمة بشتيمة، بل بالعكس مُبارِكين، عالِمين أنّكم لهذا دُعيتم لكي ترِثوا برَكَة" (1بطرس 3: 8-9).