الغفران اللاّمحدود

الموضوع:
العدد:
السنة:

جمع يسوع تلاميذه، ذات يومٍ، وأخذ يخبرهم عن ملكوت السّماوات. فتقدّم إليه بطرس وسأله "يا ربّ، كم مرّةٍ يُخطئ إليّ أخي وأنا أغفر له؟ هل إلى سبع مرّاتٍ؟" أجابه يسوع ليس فقط إلى سبع مرّات بل إلى سبعين مرّة سبع مرّات. لم يقصد المسيح حرفيًّا أن يسامح المرء أخاه 490 مرّة، بل أن يكون غفرانه بلا حدود. ثمّ قدّم له مثل العبد الّذي لا يغفر.

جَمَعَ ملكٌ عبيدَه ليحاسبهم ويوفوا الدّين الّذي عليهم. وأتاه رجلٌ فقير جدًّا مديون له بعشرة آلاف وزنة وغير قادر البتّة على تسديد ما عليه من دين. فأمر الملك خدّامه بأن يأخذوه وامرأته وأولاده إلى السّوق ويبيعونهم كعبيد من أجل استرجاع المبلغ، بحسب ما اقتضته الشريعة آنذاك. ارتمى المديون عند أقدام الملك وراح يتوسّل إليه أن يمهله بعض الوقت. ووعدَه بأنّه حالما يجني المال المتوجّب عليه سيوفيه كامل الحساب. لم يتحمّل الملك رؤية الرّجل منطرحًا على الأرض فسامحه بالدّين وأطلقه حرًّا.

ولمـّا خرج هذا من حضرة الملك التقى برفيقٍ لهُ عليه دينٌ بمئة دينارٍ فقط. وهو مبلغ تافه جدًّا ولا قيمة له مقارنة بالدّين الكبير الّذي كان عليه. فأوقفه والتقطه من عنقه وطلب منه أن يوفي المئة دينار في الحال. انطرح رفيقه عند قدميه وهو يرجوه أن يمهله بعض الوقت. ولشدّة قساوة قلبه، لم يتحنّن عليه ويسامحه بالدّين ولم يُعطِه فرصة ثانية بل رماه في السّجن حتّى يدفع له عن آخر فلس.

استاء منه رفاقه العبيد جدًّا وهم الّذين رأوا بأعينهم كيف عفى الملك عن ديونه وأطلقه مقابل لا شيء. وتوجّهوا مباشرةً إلى الملك وأخبروه بكلّ ما جرى معتبرين أنّ الله لن يرضى عن السّكوت عن هذه الجريمة. استدعى الملك العبد ووبّخه بشدّة على تصرّفه قائلاً: "أيّها العبد الشّرّير، كلّ ذلك الدّين تركته لك لأنّك طلبت إليَّ. أفما كان ينبغي أنّك أنت أيضًا ترحم العبد رفيقك كما رحمتُكَ أنا؟" وللوقت سلّمه إلى المعذِّبين حتّى يُسدّد كامل الدّين. وعندها التفت يسوع إليهم وقال: "فهكذا أبي السّماويّ يفعل بكم إن لم تتركوا من قلوبكم كلّ واحدٍ لأخيه زلاّته".

أراد يسوع من خلال هذا المثل أن يشرح لتلاميذه معنى الغفران اللاّمحدود. فكلّنا كخرافٍ ضَلَلنا، وأخطأنا مرارًا وتكرارًا إلى الله، وصنعنا الشّرّ يوميًّا قدّام عينيه. أوقعتنا خطايانا في ديون باهظة وعجِزنا عن أن نكفّر عنها، ولم نستحقّ البتّة أن ننال المغفرة من الله. ومع ذلك، عندما أتينا إليه بتوبة صادقة وبتواضع معترفين بخطايانا، غفرها لنا بنعمته وبرحمته ووفى ديننا بالكامل إذ دفع ثمن خطايانا على الصّليب. وهو بالتّالي، يتوقّع منّا أن نتمثّل به ونسامح الآخرين عندما يُخطئون إلينا. فنحن الّذين غُفِرَت خطايانا الّتي لا تُعدّ ولا تُحصى، علينا أن نغفر للّذين يُسيئون إلينا وإلاّ نلنا العقاب من الله.