الغفران في الإيمان المسيحيّ

الكاتب:
العدد:
السنة:

"فَقَالَ يَسُوعُ: يَا أَبَتَاهُ، اغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُون" (لوقا 23: 24)

تختصر هذه العبارة الّتي أطلقها يسوع على صليبه، هبة عظيمة يمنحنا إيّاها الرّبّ لنعمل بها. ذلك أنّ الغفران هو أحد أهمّ خصائص الإنسان بشكل عامّ، والمسيحيّ المؤمن بشكل خاصّ، وهو يتوّج أسمى معاني المحبّة.

ما هو الغفران؟ ما هي ركائزه؟ كيف نعيشه؟

هي أسئلة تراودنا في كلّ مرّة نجد أنفسنا أمام فعل خاطئ تجاه الرّبّ فنطلب مغفرته، أو حين يُخطئ الآخر إلينا، فيبدأ الصّراع بين أنانيّتنا الشّخصيّة وغَيريّتنا المسيحيّة: هل نعادي وننتقم، أو نغفر وننسى الإساءة؟

الغفران في اللّغة هو " العفو عن الذّنْب". والعفو يعني أن تنسى الفعل وتعتبره كأنّه لم يحصل. وبهذا تكون قد حرّرت الفاعل من تداعيات ما ارتكب. يقدّم لنا الكتاب المقدّس الإنسان الخاطئ كشخص مديون يُبرئه الله من دَيْنه بالصّفح عنه (عدد 19:14). وحين يُبرئ الله إنسانًا، تصبح الخطيّة وراءه فلا يعود ينظر اليها، لأنّ همّه الأوّل هو الخاطئ وليس الخطيّة. هو ينظر إلى الإنسان الّذي أحبّ والّذي يريد خلاصه. ولأنّه أحبّه، غَفَر له.

ركائز الغفران

وللغفران ركائز تكوّنه هي: ارتكاب خطأ أو خطيّة ما، معرفة هذا الفعل، واعتراف تواكبه توبة.

إنّ وجود شخص يرتكب خطأ أو خطيّة هو الّذي يُطلق عمليّة الغفران والمسامحة. والخطأ، بالنّسبة إلى الإنسان، قد يتمثّل في ضرّر جسديّ أو معنويّ. أمّا تجاه الله، فالخطيّة هي عمل مخالف لمشيئته. وغالبًا ما يكون عبر إخطاء الهدف والإخلال بالثّقة الّتي وضعها في كلّ منّا، حين أراد أن يتمجّد بنا وبأعمالنا، وأن نكون إلى جانبه في الصّراع الدّائم مع الشّرّ.

ولكي ينال الخاطئ الغفران، عليه أن يعرف خطأه، فيعترف به. إنّ معرفة الخطأ تعني أنّنا نعرف الصّواب. ومعرفة الصّواب تعني أن نعود إلى تعاليم المسيح ونقارن بين ما قاله وما نفعله، فنعي خطأنا ونقتنع بأنّنا مُخطئون، فنعترف بذلك، ونعود إلى جادّة الصّواب.

ولكن، هل نستطيع أن نعي الخطأ بأنفسنا؟ الواقع يقول إنّ الرّوح القدس هو مُوقظ الضّمير ومُنبّهُه كي نتنبه لانحراف مسارنا. أمّا وقد عرفنا الخطأ، فيبقى علينا أن نتوب لننال الغفران. وللتّوبة أيضًا ركائز، أولاها ما ذكرناه سابقًا أي معرفة الخطأ والاقتناع بأنّنا مُخطئون. وثانيتها، الأسف العميق والنّدامة المخلِصة على الخطيّة الماضية. فالله يعطي مواعيد مشجّعة للّذين يحزنون بعمق على حالتهم "لأَنَّ الْحُزْنَ الَّذِي بِحَسَبِ مَشِيئَةِ اللهِ يُنْشِئُ تَوْبَةً لِخَلاَصٍ بِلاَ نَدَامَةٍ" (2كورنثوس 7: 10). أمّا الرّكيزة الثّالثة في التّوبة، فهي العزم الصّادق والأكيد على تغيير أفكارنا واتّجاهاتنا الخاطئة والسّير في اتّجاه الرّبّ. والرّبّ يقبلنا متى رأى فينا تلك الرّغبة الحقيقيّة في ترك الخطيّة، فيمنحنا الحياة الأبديّة، لأنّه لا يريد موت الخاطئ، بل توبته (حزقيال 23:18) .

الغفران الكامل: هل هو ممكن؟

إذا نظرنا إلى الموضوع من النّاحية الإنسانيّة والقانونيّة، لما وجدنا ما يبرّر الغفران. فالعدل على الأرض يقضي بأن يُحاسَب كلّ إنسان على ما قام به. ولو ندم الفاعل على فعلته أو سامحه المُسَاء إليه، فان ذلك النّدم وتلك المسامحة لا تعفي المرتكب من عقوبة تُفرَض عليه باسم المجتمع، وتُعرف في قانوننا بـِ "الحّق العامّ". أمّا عدالة الله فهي غير عدالة الإنسان. فقلب الله وغفرانه واسعان ولا حدود لهما. فهو يحبّ الخاطئ ويُريد أن يغفر خطاياه مغفرة تامّة.

وإذا تطلّعنا إلى الغفران في الإيمان المسيحيّ، لوجدنا أنّ المحبّة وحدها هي الّتي تبرّره. ونستطيع الغفران إذا خَلَت قلوبنا من الحقد والانتقام وامتلأت حبًّا، وعشنا حياة مسيحيّة حقيقيّة. فليس في المسيحيّة حقد أو ثأر أو انتقام، بل حبّ وبذل للذّات، ومغفرة وصفح، وزرعُ خير وحصادُ رحمة. أما أحبّ الله العالم، حتّى بذل ابنه الوحيد صَفحًا عن خطيّته.

كثيرًا ما نتعرّض للسّقوط في الخطيّة، ونعيش عند ارتكابها هاجس المغفرة، فنطلبها من الله، لكنّنا غالبًا ما ننسى ممارستها مع غيرنا. ليتنا نُصلّي ما علّمه يسوع في الصّلاة الربّانيّة: "وَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا كَمَا نَغْفِرُ نَحْنُ أَيْضاً لِلْمُذْنِبِينَ إِلَيْنَا" (متّى 6: 12). ونُصلّي كذلك: "ربّي أعطني أن أحبّ كثيرًا لأغفر كثيرًا".