الله الكلمة المتجسّد

الموضوع:
العدد:
السنة:

"أإِلى عُمق الله تَتَّصِل، أمْ إلى نِهايَة القدير تَنْتَهي؟" (أيّوب11: 7)، "فَبِمَنْ تُشَبِّهون الله، وأيَّ شَبَهٍ تُعادِلون به؟" (إشعياء40: 18). مَنْ من بني البشر يستطيع الإجابة عن هذه الأسئلة حول جوهر الألوهة الّتي يطرحها الكتاب المقدّس؟

تضعنا الأسفار المقدّسة وجهًا لوجه أمام الله الخالِق، السّرمديّ، الكلّيّ الوجود، الأزليّ والكلّيّ القدرة، عندما نقرأ في بدايتها: "في البَدْء خَلَقَ الله السَّماوات والأرض" (تكوين1: 1). يقول "بيتر جيفري"، في مقدّمة كتابه عن صفات الله: "إذا سألنا: ‘ماذا يُشبه الله؟’ فتأتينا الإجابة من الأسفار المقدّسة أنّ الله لا يشبه أيّ شيء على الإطلاق. إنّه فريد ومجيد في حدّ ذاته، وأيّ محاولة منّا لتعريفه، بعيدًا عمّا أظهره لنا، سوف تقودنا حتمًا إلى الوثنيّة". إنّه الله الفائق الوجود والمتعالٍ والمتميّز جدًّا، في شخصه وجوهره، عن خليقته. لا يمكن للعقل المحدود أن يُدرك ذاك الّذي لا يمكن إدراكه واللاّمحدود. إلاّ أنّه يمكن للإنسان أن يعرف الله، إذ نقرأ في يوحنّا 17: 3، على فم "الابن" المتجسّد: "وهذه هي الحياة الأبديّة: أنْ يعرِفوكَ أنتَ الإله الحقيقيَّ وحدَكَ ويسوع المسيح الّذي أرْسَلْتَه".

إنّ الفكرة الأساس في إنجيل يوحنّا هي موضوع ألوهيّة ربّنا ومخلّصنا يسوع المسيح، وهذا ما يُميّزه عن غيره من الأسفار المقدّسة. ومفتاح هذه الفكرة موجود في الآية الأولى من الإنجيل: "في البَدْء كان الكلِمَة، والكلِمَة كان عند الله، وكان الكلِمَة الله" (يوحنّا1: 1). ونجد تعريفًا لـ"الكلمة" في العدد 14: "والكلِمَة صار جسَدًا وحلَّ بيننا، ورأيْنا مَجْدَه، مَجْدًا كما لِوحيدٍ من الآب، مملوءًا نِعْمَةً وحقًّا".

إنّ إنجيل يوحنّا هو إنجيل فريد حقًّا. فالأناجيل الإزائيّة (متّى، مرقس ولوقا) تعطينا نظرة عامّة واحدة إلى حياة الرّبّ يسوع وخدمته وموته وقيامته؛ فهي تركّز على النّاحية التّاريخيّة في شخص المسيح. في إنجيل متّى نرى يسوع "المسيح ابن داود" مع التّشديد على مسيانيّته، وفي إنجيل مرقس نراه "خادم يهوه" المُنهمك دائمًا في أعمال أبيه، وفي إنجيل لوقا نراه "ابن الإنسان" الّذي عاش أسقامنا وضعفاتنا. أمّا في إنجيل يوحنّا، فنراه المسيح "ابن الله" و"الله الابن".

من المدهش أن يبدأ سفر التّكوين وإنجيل يوحنا بالعبارة نفسها: "في البَدْء". فيأخذنا يوحنّا إلى بداءة التّكوين، قبل بدء الزّمان وقبل كلّ شيء، ليُعلن، بوضوح وجلال، أنّ "الكلمة" كان. والفعل "كان" في اللّغة اليونانيّة، أي اللّغة الأصليّة الّتي كُتب بها إنجيل يوحنّا، تُشير إلى "كائن مُطلَق". ونصل إلى العدد 3، حيث يُعلن يوحنّا أنّ "الكلمة" السّرمديّ هو الخالق: "كلّ شيء بِه كان، وبِغَيْرِه لم يكُنْ شيءٌ مِمّا كان".

"والكلِمَة كان عند الله". يقول اللاّهوتيّ "ج. سي. رايل": "إنّ الحقيقة المُعلنَة في هذه الآية هي أعمق ما في اللاّهوت المسيحيّ والأكثر غموضًا". ففيها يُعلن لنا الوحي أنّ الله الابن هو شخص متميّز عن الله الآب، ولكنّهما واحد في الجوهر، كما نقرأ في العدد 4 "وكان الكلِمَة الله"، متَّحدَين غير مُنفَصلَين. ويقول "رايل" أيضًا: "إنّ العلاقة بين الأقنومين الأوّل والثّاني في الثّالوث، كانت منذ الأبديّة، العلاقة الأكثر حميميّة ولا يمكن وصفها". ونرى بوضوح هذه العلاقة في العدد 18: "الله لم يَرَه أحد قَطّ. الابن الوَحيد الّذي هو في حِضْن الآب هو خَبَّر". تصف لنا هذه الكلمات علاقة المحبّة القويّة بين الآب والابن، الّتي لم تتأثّر بتجسّد الابن.

إنّ يسوع المسيح "الابن الوحيد" هو "صورة الله غير المنظور". يقول "جورج هاتشِسون": "بما أنّ الابن يُدرك تمامًا الآب، فهو الوحيد القادر على أن يُعلنه، لأنّه صورة طبق الأصل عن شخصه". لا يمكننا أن نعرف الله إلاّ من خلال يسوع المسيح، فهو "الكلمة" الأبديّ وأفضل مَن يعبّر عن شخص الله (عبرانيّين1: 1-3).

إنّ التّجسّد الإلهيّ هو أساس العقيدة المسيحيّة وجوهرها. ويمكننا أن نعرف الله من خلال المسيح وحده، الّذي أنار لنا معرفة مجد الله في وجهه (2كورنثوس4: 6). عندما سأل فيلُبّس الرّبّ يسوع: "أرِنا الآب وكفانا"، أجابه يسوع قائلاً: "أنا معكُم زمانًا هذه مدّتُه ولم تعْرِفْني يا فيلُبّس! الّذي رآني فقدْ رأى الآب، فكيف تقول أنت: أرِنا الآب؟" (يوحنّا14: 9). لذلك، فمن واجب المؤمن المسيحيّ أن يدرس بتأنٍّ وبروح الصّلاة شخص المسيح وخدمته، كما أعلنته الأسفار المقدّسة. "إنّ عقولنا الضّعيفة تستطيع أن تتعلّم الكثير عن الله الآب من خلال كلمات المسيح وأفعاله وحياته وموته. لقد أظهر لنا المسيح، في حياته وموته، حكمة الله الكاملة وقدرته السّرمديّة ومحبّته الّتي لا تُوصَف للخطاة، وقداسته الّتي لا تُضاهى وكرهه للخطيّة" (ج. سي. رايل). ففي المسيح "يَحِلّ كلّ مِلْء اللاّهوت جسَديًّا" (كولوسّي2: 9)، وهو مَمْلوء نعمَةً وحقًّا (يوحنّا1: 14). وبالنّسبة إلى الله، المسيح هو الكلّ وفي الكلّ.