المحبّة المضحّية لزواجٍ ناجحٍ

العدد:
السنة:

يقول الرب "الحق الحق أقول لكم: إن لم تقع حبّة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها. ولكن إن ماتت تأتي بثمر كثير" (يو 12: 24) .

هل هناك نجاح في الحياة دون ثمن؟ هل هناك نجاح في الدراسة دون سهر؟ هل من ترقية في العمل دون تعب؟ هل ينمو الأولاد دون محبة وبذل وعطاء؟ هل تُبنى الأوطان دون شهادة ودماء؟ وهل ينجح الزواج دون تضحية؟

النجاح في أي أمر لا يأتي مجانًا. ولكن التضحية تأتي دائمًا على قدر المحبة والأهمية. قد يدّعي انسان ما انه يحبّ الوطن ولكن عند الصعوبات يتركه ويهاجر ويفتّش عن مكان يرتاح فيه بينما شخص آخر يبقى مجاهدًا ومضحيًا. أو قد يقول إنسان ما انه يحب أهله كثيرًا لكن ما ان يكبروا ويمرضوا حتى يبتعد عنهم ولا يعود يزورهم أو يهتم بهم نفسيًا أو ماديًا أو عاطفيًا. الأمر كله متوقف على مقدار المحبة. فهل تعطي زواجك أهمية قصوى في حياتك؟ هل فعلاً تحب شريك حياتك؟ هنا لبّ الموضوع. الفلسفة الحديثة اليوم تقول "إفعل ما يريحك" ولكن بحسب الحياة وبحسب تعليم الرب لا نجاح، ولا استمرار، لأي زواج دون تضحية. فإذا كنت تظن أن الزواج يستمر بالأنانية فأنت واهم. فالزواج الأناني محكوم بالنهاية.

علامة الزواج المثالي

طبعًا أنا هنا لا أعالج حالات الزواج المرضيّة حيث هناك تعنيف أو خيانات أو مخدرات أو مشاكل تستدعي حلولاً من نوع آخر. أنا أتكلم عن زواج بين شخصين عاديين تزوجا عن حب. قد تكون التضحية للآخر فكرة لكن مع مرور الوقت نتعلم أن التضحية حقيقة في الزواج. لا شك أن الزواج المثالي هو عندما تكون المحبة الباذلة المعطاءة هي من الطرفين. لكن الحياة ليست دائمًا هكذا.

قد تكون التضحية أحيانًا مؤلمة لأنها تمسّ أمورًا نحبها، وربما تكون مخفيّة عن عين الشريك أو أنه لا يلاحظها أبدًا ولا يعطيها القيمة المطلوبة. أو ربما يكون أحد الطرفين يضحي أكثر مما يضحي الآخر. أقول لا تقيسوا التضحية بالمكيال ولا تقارنوا. التضحية لا تنتظر مقابلاً. إنها المحبة الصافية المخلصة حيث يحب الانسان شريكه أكثر من نفسه.

قال أحدهم "إذا كنت غير مستعد للتضحية فأنت ما زلت غير صالح للزواج". طبعًا هذا ليس مفهوم الكثير من الناس في أيامنا الذين يظنون أن الزواج تسلية وحب ورفقة وسفر... لذا يتزوجون باندفاع وشجاعة ولكن بعد فترة قصيرة أو طويلة  يصطدمون بالواقع فينفرون وينفصلون لأتفه الأسباب. قبل الزواج هناك "أنا" أما بعد الزواج فهناك "نحن". هذا لا يعني أن لا يكون للإنسان طموحاته وأهدافه في الحياة لكننا في الزواج نبني مستقبلاً مشتركًا فلا بد من التضحية ببعض الخصوصية لنكون معاً.

التضحية بماذا؟

التضحية هي كل ما أفعله للآخر قبل نفسي. هذه التضحية قد تبدأ بأمور صغيرة لكنها معبّرة جدًا ولها دلالاتها. مثلاً أن تترك قطعة حلوى لمن تحب، أو تقوم بعمل بالنيابة عنه لكي يرتاح، أو تتخلى عن أمر ما لأنه يُزعج الشريك... الى اقتصاد في المصروف لتخفيف الأعباء الى توفير أحلى جو في المنزل... الى ما هو أصعب بكثير مثل خدمة مريض. فماذا لو أصيب شريك حياتك بمرض مستعصٍ عضال مثلاً. نعم، قد تكلفك التضحية أحياناً زهرة عمرك. لهذا يقولون في عهد الزواج "في الصحة والمرض في الفقر والغنى... إلى ان يفرّق بينهما الموت". فهل نعني هذه الكلمات حقًا؟

التضحية ليست إلغاء الذات بل هي تقديم طوعي للآخر دون ندم. لا يُخفى على أحد أن هناك حالات حيث ضحى أحدهم لكن دون جدوى ولا تقدير ولم ينجح الزواج للأسف. هذا يحدث عندما يكون الشريك عديم الإحساس وأناني. لكن بالرغم من كل هذا أقول لا تندم أو تندمي على أي تضحية قمت بها. الله يرى كل ما يحصل في الخفاء ويجازي. إعمل كل شيء كما للرب. واعمل كل ما تستطيع لإنجاح زواجك هذا هو الزواج الحقيقي المبني على الحب. هذا هو الزواج الذي يُنتج أولادًا أصحاء.

دور المحبة

إن امتحان أي زواج يكون في زمن الصعوبات وليس في زمن الرخاء. عندما تعاكسكما الظروف، عندما تضيق الماديات، أو تأتي الأمراض أو يأتيكما ولد مريض (لا سمح الله)... هنا الامتحان. هل يصمد الزواج؟

في الزواج الاختلاف حتمي لكن الخلاف هو خيار. أسهل حلّ غرائزي هو أن يقول المرء هذا رأيي. أنت على خطأ وأنا محقّ. لكن لغة المحبة مختلفة. المحبة الحقيقية هي عندما يكون المرء على استعداد لفعل كل ما يُسعد شريك حياتي. عندما تكون سعادتي من سعادته. هل هذا كلامٌ نظريٌ؟ كلا. بل هذا ما قصده الرب عندما سَنَّ لنا الزواج لخيرنا وطلب منا أن نتنازل بعضنا لبعض "أيها النساء اخضعن لرجالكن كما للرب وأيها الرجال أحبوا نساءكم كما أحب المسيح أيضا الكنيسة وأسلم نفسه من أجلها". لقد شبّه المسيح الزواج بعلاقة المسيح (العريس) بالكنيسة (العروس). لقد أحبها لدرجة أنه ضحى بنفسه لخلاصها. هذه التضحية لم تكن متكافئة أبداً. بل إنها كانت من طرف واحد. وهنا العظمة. هذه منتهى التضحية. هذا هو المثال المطلوب. الزواج المثالي بحسب مفهوم الكتاب المقدس هي عندما ييبنى الزواج على محبة حقيقية.

أما المحبة المطلوبة لزواج ناجح فهي التي تكون من النوع التالي: "الْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَحْسِدُ. الْمَحَبَّةُ لاَ تَتَفَاخَرُ، وَلاَ تَنْتَفِخُ، وَلاَ تُقَبِّحُ، وَلاَ تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلاَ تَحْتَدُّ، وَلاَ تَظُنُّ السُّؤَ، وَلاَ تَفْرَحُ بِالإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِالْحَقِّ، وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ " (1 كو 13). المحبة لا تسقط أبداً. طوبى لمن بنى زواجه على هكذا محبة، على الصخرة، على شخص المسيح. فنزل المطر، وجاءت الأنهار، وهبت الرياح، ووقعت على ذلك البيت فلم يسقط، لأنه كان مؤسساً على الصخر.