المعلّم بطرس البستاني

الكاتب:
العدد:
السنة:

دُعِي "ابو التنوير العربي". فكان أولّ مَن انشأ دائرة معارف وأول مَن وضعَ معجماً عربيًّا بالتسلسل الأبجدي وأول مَن نادى بتحرير المرأة وتعليمها في المشرق العربي. منشء الصحف المتعددة، ومنشء المدرسة الوطنية في زقاق البلاط، بيروت. فكان المعلم بطرس البستاني سابقاً لعصره. 

ولادته ونشأته

وُلِدَ بطرس البستاني في قرية الدبيِّة في جبل لبنان، في شهر تشرين الثاني عام 1819. توفّي والده وهو في الخامسة من عمره. أُرسِلَ إلى مدرسة القرية، واحدة من مدارس "تحت السنديانة"، فبدأت سمات الذكاء وإشراقة الذهن تظهر عليه، ما لفت انتباه معلّمه الخوري "ميخائيل البستاني" الذي أخبر المطران "عبدالله البستاني" عن نجابته وقوة ذاكرته. فاهتم المطران ببطرس، وأرسله إلى مدرسة عين ورقة لمتابعة علومه فيها، حيث أمضى فيها عشر سنين تعلّم خلالها قواعد اللغة العربية، والسريانية، والتاريخ، والجغرافيا، والحساب، وبعض النظريات اللاهوتية، والفلسفية، ومبادئ اللغة اللاتينية، وأصول الحق القانوني.

وفي عام 1840 نزل بطرس إلى بيروت طلباً للرزق، فتعرف على المرسلين الانكليز، ثم الأميركان وعمل مترجماً في القنصلية الانكليزية، وبعدها الاميركية لمدة. إضافة إلى تعليمه اللغة العربية للمرسلين. تعرّف بطرس بالدكتور كرنيليوس فاندايك وارتبطا معاً برباط المحبة والصداقة. كما تعرّف على المرسل عالي سميث عام 1841، وكان يـجري بينهما حوارات دينية، أثـمرت بإيـمان بطرس بالإنـجيل عقلاً وروحاً.

نشاطاته

انتدب بطرس البستاني مع زميله الياس فواز، إلى بلدة حاصبيا، لتأسيس مدرسة هناك فكانا يدرّسان في المدرسة، ويعلّمان أبناء الكنيسة الإنجيلية الصلاة، ويقرأان عليهما الوصايا العشر. استمر عمله في حاصبيا لمدة سبعة أشهر حتى اول تشرين الأول عام 1844. بعد ذلك انتقل إلى عبيه مع صديقه فاندايك عام 1846 لاتقانـهما اللغة العربية التي اصبحت لغة التدريس، فكانا يعلمان في النهار، ويكبّان على تأليف الكتب للتلاميذ في الليل. وأبرز ما ألفّه كتاب "كشف الحجاب في علم الحساب" طُبع عام 1848. وكتاب نحو اللغة العربية "بلوغ الارب في نحو العرب" لم يُطْبَع. بَقِيَ المعلم بطرس البستاني في عبيه حتى نـهاية عام 1848، حيث تم نقله إلى بيروت لمساعدة المرسل عالي سميث في ترجمة الكتاب المقدس. لكن نشاطه لم يقتصر على الترجمة وتأليف الكتب والتدريس، بل اشترك بنشاط الجمعية السورية التي تأسست عام 1847 فكان ينزل من عبيه إلى بيروت ليخطب وينشط الجمعية في تحقيق نـهضتها الفكرية، والأدبية، والسياسية، والاجتماعية، حتى صارت جمعية منتظمة. فكان بطرس من أنشط عناصرها، ومن اغزر محرري صحافتها، كما كان خطيبها المفوَّه ألقى فيها خطاباته المشهورة حول "تعليم النساء" و "آداب العرب" و الهيئة الإجتماعية"، فضلاً عن المقالات الاسبوعية التي كان يزوّد بـها صحيفة المرسلين "النشرة". وفوق كل ذلك كان أميناً لسرّ اللجنة المشرفة على المدارس التي أنشأها الأميركان والانكليز في عالية والمتن والشوير وصيدا وحاصبيا والتي صارت تُعرَف باسم "المدارس اللبنانية".

مساهمته في تأسيس الكنيسة الإنجيلية الوطنية

سعى البستاني مع اصدقائه لتأسيس كنيسة انجيلية وطنية فعُقِدَ في شهر حزيران عام 1847 اجتماعًا ترأسه بطرس، واتخذ المجتمعون قراراً بإرسال عريضة إلى المرسلين الأميركان العاملين في الديار الشامية يـحثونـهم على الموافقة على تأسيس كنيسة انجيلية وطنية، لها قوانينها وأنظمتها المستقلة. ولقد مُنحوا هذا الحق في ربيع 1848. خدم بطرس كمعلماً في مدرسة الأحد، ثم أصبح رئيسا لمدرسة الأحد لمدة طويلة، إضافة إلى القائه العظات. وكان البستاني يعتبر ركناً من أركان عمدة الكنيسة وهذا خوّله أن يخطب خلال حفلة تدشين البناء الجديد للكنيسة عام 1867.

ترجماته

          بعد نقله إلى بيروت لمساعدة المرسل عالي سميث في ترجمة الكتاب المقدس، انـهمك بطرس البستاني في تعلّم العبرية، والآرامية، واليونانية القديـمة. وأخذ يتزيّد من معرفته السريانية، واللاتينية حتى أصبح متمكّناً من جميع اللغات التي كُتِبَت بـها أقدم نصوص الكتاب المقدس. فضلاً عن اتقانه الايطالية والفرنسية، فكان بصفاته العلميّة قد أكمل عدة المعرفة والثقافة، ليحقق صفات المترجم المتميز. فكان بطرس يسلّم ثـمرة جهوده من الترجمة إلى عالي سميث الذي يدقق في الترجمة بنفسه ثم يتناقش مع البستاني في معاني بعض الكلمات او المصطلحات، خاصة التي تحمل غير معنى، ثم يقارنا ما أنجزاه، في الأصل العبري، أو السرياني، أو اللاتيني. ثم يسلّم العمل إلى ناصيف اليازجي الذي كان يعمل مصححاً في مطبعة الأميركان.

توقف البستاني عن عمل ترجمة الكتاب المقدس بعد وفاة عالي سميث عام 1857. لأن العقد بينهما كان ينص على وجوب فسخه في حال وفاة أحد الطرفين. إلى ذلك الوقت لم يكن مطبوعاً من أسفار الكتاب المقدس سوى سفر التكوين وتسعة وثلاثون إصحاحاً من سفر الخروج.

كما ترجم بطرس كتباً أخرى، هدف منها إلى الوعظ، والتوعية، والهداية إلى الإيمان الحق، وتعميم المعرفة، والثقافة. فترجم كتاب "سياحة المسيحي" لِ جون بنيان، وكتاب "تاريخ الإصلاح في القرن السادس عشر" لِ ميرل دوبينياه، وقصة "روبنسون كروزو" لِ دانيال ديفو، وكتاب "تاريخ نابليون الأول".

 

مؤلفاته

إضافة إلى كل ذلك أنشأ بطرس البستاني عام 1860 جريدة "نفير سوريا"، أنـهى فيها عن الحقد، والضغينة، والطائفية. ثم أصدر مجلة "الجنان" في كانون الثاني عام 1870 والتي كان شعارها "حب الوطن من الإيـمان"، بأبوابـها العلميّة، والأدبية، والتاريخية، والسياسية، توقفت عام 1886. وأنشأ في 11 حزيران عام 1870 مجلة "الجنة" جريدة سياسية، تجارية. ثم مجلة أخرى دعاها "الجنينة" في 3 شباط عام 1871 التي توقفت أيضاً بعد اربع سنوات ونيف بسبب تفشّي الهواء الأصفر في بيروت.

كما عمد البستاني إلى تقريب وتبسيط قواعد اللغة بتأليف معجمه "محيط المحيط" الذي فرغ منه عام 1869 بـمجلدَيْن كبيرَيْن، واختصره ب "قطر المحيط" من بعد. كما رأى أن المؤلفات الموسوعية هي من أسباب المنافع العمومية. ورأى ان الشعوب المتمدنة أدخلت تلك المؤلفات في لغتها لذلك خطر له أن يؤلف موسوعة "دائرة المعارف" بالعربية فأصدر منها ستة أجزاء وبدأ بالسابع لكن المنية عاجلته قبل إنجاز مشروعه. وتظهر قيمة "دائرة المعارف" الأدبية والعلمية بـما تضمنته من علوم ومعارف قديـمة وحديثة ومقالات وأبحاث وتراجم لالوف الشعراء والأدباء ولقد كان هذا المشروع الأول في اللغة العربية لا سابقَ له.

تأسيسه المدرسة الوطنية

في خريف 1863، أنشأ بطرس البستاني في زقاق البلاط، في بيروت، المدرسة الوطنية. كان هدفها أن تكون أبوابـها مفتوحة لجميع أبناء الوطن، دون التعرّض لمذاهبهم الخصوصية. كما هدفت إلى تنشيط اللغة العربية. وتبنّي جميع حقول المعرفة. واجتهد المعلم بطرس البستاني في مدرسته إلى تنمية شعور محبة الوطن في قلوب تلامذتـه وغرس مبادئ الإلفة والإتحاد ليكونوا ذوي غيرة على وطنهم. أما اللغات التي كانت تدرّس فيها فهي العربية، والتركية، والفرنسية، والإنكليزية، واليونانية، واللاتينية. تقاطر إليها الطلبة من كل حدب وصوب ونـجحت نجاحاً غريباً وأخرجت تلامذة من أحسن أدباء عصرنا. كان للمدرسة الوطينة أثر بالغ في إنـهاض اللغة والأدب العربيين في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وهي أخلص مآتيه في سبيل اتحاد ابناء بلاده. توقفت سنة 1877.

وفاته

مساء الأول من أيار عام 1883 بينما كان المعلم بطرس البستاني بين الكتب والمحابر فاجأته نوبة قلبية لم تـهمله إلا القليل. فهزّ منعاه البلاد ولقد رثاه رجال العلم والأدب من كل حدب وصوب خاصة صديق صباه الدكتور المرسل "كرنيليوس فاندايك" الذي رثاه قائلاً: "يا صديقي ورفيق صباي"، فبكى وأبكى. ولم تبق صحيفة ذات قيمة في دنيا العرب إلا ووقفت عند مآثره وعلمه وأدبه.

دُفِنَ المعلم بطرس البستاني في مقبرة الكنيسة الإنجيلية في بيروت قرب طريق الشام. حضر جنازته كبراء الناس على اختلاف الطبقات من ذوي المناصب والعلم والأمراء والعلماء والوجهاء ومشى آلاف من الخلق وطنيين وأجانب يرافقونه في رحلته الأخيرة. وهكذا انتهت حياة شخص امتلأت بالإيمان والمحبة والرجاء والعمل دون كلل في سبيل نشر الهداية والوعي والثقافة وتحقيق المنفعة العامة، والقوة والتقدّم في المجتمع لإنـهاض جيله من ظلم الجهل والأميّة، وركب مسيرة التمدن والرقي والحضارة.

 

مُلخّص كتاب د. فايز علم الدين القيس:

"أثر المعلّم بطرس البستاني في النهضة في لبنان".

دار الفارابي. بيروت. 2005