المعلّم بطرس البستاني (1819-1883)

الكاتب:
العدد:
السنة:

دُعِي "أبو التّنوير العربيّ".  وكان أوّل مَن أنشأ دائرة معارف، وأوّل مَن وضعَ معجماً عربيّاً بالتّسلسل الأبجديّ، وأوّل مَن نادى بتحرير المرأة وتعليمها في المشرق العربيّ.  كما أنشأ صحفاً متعدّدة، وأسّس المدرسة الوطنيّة في زقاق البلاط، بيروت؛ فكان سابقاً لعصره.

ولادته ونشأته

وُلِدَ "بطرس البستاني" في قرية الدّبيِّة في جبل لبنان، في شهر تشرين الثّاني عام 1819. توفّي والده وهو في الخامسة من عمره.  أُرسِلَ إلى مدرسة القرية، واحدة من مدارس "تحت السّنديانة"، فبدأت سمات الذّكاء وإشراقة الذّهن تظهر عليه، ما لفت انتباه معلّمه الخوري "ميخائيل البستاني" الّذي أخبر المطران "عبدالله البستاني" عن نجابته وقوّة ذاكرته؛ فاهتمّ المطران به، وأرسله إلى مدرسة عين ورقة لمتابعة علومه، حيث أمضى فيها عشر سنين، تعلّم خلالها قواعد اللّغة العربيّة، والسّريانيّة، والتّاريخ، والجغرافيا، والحساب، وبعض النّظريّات اللاهوتيّة، والفلسفيّة، ومبادئ اللّغة اللاتينيّة، وأصول الحقّ القانونيّ.

وفي عام 1840 نزل "بطرس" إلى بيروت طلباً للرّزق، فتعرّف إلى المرسلين الإنكليز، ثمّ إلى الأميركان، وعمل مترجماً في القنصليّة الإنكليزيّة، وبعدها الأميركيّة، إضافة إلى تعليمه المُرسَلين اللّغة العربيّة.  تعرّف "بطرس" إلى الدّكتور "كرنيليوس فاندايك"، وارتبطا معاً برباط المحبّة والصّداقة.  كما تعرّف إلى المرسَل "عالي سميث" عام 1841، وكانت تجري بينهما حوارات دينيّة، أثمرت إيمان بطرس بالإنجيل عقلاً وروحاً.

نشاطاته

انتُدِب "بطرس البستاني" مع زميله "الياس فوّاز"، إلى بلدة "حاصبيّا"، لتأسيس مدرسة هناك، فكانا يدرّسان في المدرسة، ويعلّمان أبناء الكنيسة الإنجيليّة الصّلاة، ويقرأان عليهم الوصايا العشر.  استمرّ عمله في "حاصبيّا" لمدّة سبعة أشهر حتّى أوّل تشرين الأوّل عام 1844. بعد ذلك انتقل إلى "عبيه" مع صديقه "فاندايك" عام 1846 بسبب إتقانهما اللّغة العربيّة الّتي أصبحت لغة التّدريس، فكانا يعلّمان في النّهار، وينكبّان على تأليف الكتب للتّلاميذ في اللّيل.  وأبرز ما ألفّاه كتاب "كشف الحجاب في علم الحساب" طُبع عام 1848، وكتاب نحو اللّغة العربيّة "بلوغ الإرب في نحو العرب" لم يُطْبَع.  بَقِيَ المعلّم "بطرس البستاني" في "عبيه" حتّى نهاية عام 1848، حيث تمّ نقله إلى بيروت لمساعدة المرسَل "عالي سميث" على ترجمة الكتاب المقدّس.  لكنّ نشاطه لم يقتصر على التّرجمة وتأليف الكتب والتّدريس، بل اشترك بنشاط الجمعيّة السّوريّة الّتي تأسست عام 1847، فكان ينزل من "عبيه" إلى بيروت ليخطب، وينشّط الجمعيّة في تحقيق نهضتها الفكريّة، والأدبيّة، والسّياسيّة، والاجتماعيّة، حتّى صارت جمعيّة منتظمة، وكان هو من أنشط عناصرها، ومن أغزر محرّري صحافتها، كما كان خطيبها المفوَّه.  ألقى فيها خطاباته المشهورة حول "تعليم النّساء" و "آداب العرب" و "الهيئة الاجتماعيّة"، فضلاً عن المقالات الأسبوعيّة الّتي كان يزوّد بها صحيفة المرسَلين "النّشرة". وفوق كلّ ذلك، كان أمين سرّ اللّجنة المشرفة على المدارس الّتي أنشأها الأميركان والإنكليز في "عاليه"، و"المتن"، و"الشّوير"، و"صيدا"، و"حاصبيّا"، والّتي صارت تُعرَف باسم "المدارس اللّبنانيّة".

مساهمته في تأسيس الكنيسة الإنجيليّة الوطنيّة

سعى "البستاني" مع أصدقائه لتأسيس كنيسة إنجيليّة وطنيّة، فعُقِدَ في شهر حزيران عام 1847 اجتماع ترأّسه البستانيّ نفسه، واتّخذ المجتمعون قراراً بإرسال عريضة إلى المرسَلين الأميركان العاملين في الدّيار الشّاميّة، يحثّونهم على الموافقة على تأسيس كنيسة إنجيليّة وطنيّة، لها قوانينها وأنظمتها المستقلّة.  ولقد مُنحوا هذا الحقّ في ربيع 1848. خدم "بطرس" كمعلّم في مدرسة الأحد، ثمّ أصبح رئيساً لها لمدّة طويلة، إضافة إلى إلقائه العظات.  وكان "البستاني" يُعتَبر ركناً من أركان شيوخ الكنيسة، وهذا خوّله أن يخطب خلال حفلة تدشين البناء الجديد عام 1867.

ترجماته

        بعد نقله إلى بيروت لمساعدة المرسَل "عالي سميث" على ترجمة الكتاب المقدّس، انهمك "بطرس البستاني" في تعلّم العبريّة، والآراميّة، واليونانيّة القديـمة.  وأخذ يزداد في معرفته السّريانيّة، واللاتينيّة حتّى أصبح متمكّناً من جميع اللّغات الّتي كُتِبَت بـها أقدم نصوص الكتاب المقدّس.  فضلاً عن إتقانه الإيطاليّة والفرنسيّة، فكان بصفاته العلميّة قد أكمل عُدّة المعرفة والثّقافة، ليحقّق صفات المتَرجِم المتميِّز.  وكان "بطرس" يسلّم ثمرة جهوده في التّرجمة إلى "عالي سميث" ليدقّق بنفسه في التّرجمة، ثمّ يتناقش مع "البستاني" في معاني بعض الكلمات أو المصطلحات، بخاصّة تلك الّتي تحمل غير معنى، ويقارنان ما أنجزاه بالأصل العبريّ، أو السّريانيّ، أو اللاتينيّ.  ثمّ يُسلَّم العمل إلى "ناصيف اليازجي" الّذي كان يعمل مصحِّحاً في مطبعة الأميركان.

توقّف "البستاني" عن ترجمة الكتاب المقدّس بعد وفاة "عالي سميث" عام 1857، لأنّ العقد بينهما كان ينصّ على وجوب فسخه في حال وفاة أحد الطّرفَين.  حتّى ذلك الوقت، لم يكن قد طُبِع من أسفار الكتاب المقدّس سوى سفر التّكوين وتسعة وثلاثين إصحاحاً من سفر الخروج.

كما ترجم "بطرس" كتباً أخرى، هدف منها إلى الوعظ، والتّوعية، والهداية إلى الإيمان الحقّ، وتعميم المعرفة، والثّقافة، ومنها: كتاب "سياحة المسيحيّ" لـِ "جون بنيان"، وكتاب "تاريخ الإصلاح في القرن السّادس عشر" لـِ "ميرِل دوبينييه"، وقصّة "روبنسون كروزو"  لـِ "دانيال ديفو"، وكتاب "تاريخ نابليون الأوّل".

مؤلّفاته

إضافة إلى كلّ ذلك، أنشأ "بطرس البستاني" عام 1860 جريدة "نفير سوريا"، نهى فيها عن الحقد، والضّغينة، والطّائفيّة.  ثمّ أصدر مجلّة "الجنان"، بأبوابـها العلميّة، والأدبيّة، والتّاريخيّة، والسّياسيّة، في كانون الثّاني عام 1870، والّتي كان شعارها "حبّ الوطن من الإيـمان"، وقد توقّفت عام 1886.  وأنشأ في 11 حزيران عام 1870 "الجنّة"، وهي مجلّة سياسيّة، تجاريّة، ومجلّة أخرى دعاها "الجُنَينَة" في 3 شباط عام 1871، توقّفت أيضاً بعد أربع سنوات ونيّف بسبب تفشّي الهواء الأصفر في بيروت.

كما عمد "البستاني" إلى تقريب قواعد اللّغة وتبسيطها بتأليف معجمه "محيط المحيط" الّذي فرغ منه عام 1869، بـمجلّدَيْن كبيرَيْن، ثمّ اختصره بـ "قطر المحيط"، كما رأى أنّ المؤلّفات الموسوعيّة هي من أسباب المنافع العموميّة، وأنّ الشّعوب المتمدّنة قد أدخلت هذه المؤلّفات في لغتها، لذلك خطر له أن يؤلّف موسوعة "دائرة المعارف" بالعربيّة، فأصدر منها ستّة أجزاء، وبدأ بالسّابع، لكنّ المنيّة عاجلته قبل إنجاز مشروعه.  وتظهر قيمة "دائرة المعارف" الأدبيّة والعلميّة في ما تضمّنته من علوم ومعارف قديـمة وحديثة، ومقالات وأبحاث وترجمات لألوف الشّعراء والأدباء، فكان هذا المشروع، الأوّل في اللّغة العربيّة.

تأسيسه المدرسة الوطنيّة

في خريف 1863، أنشأ "بطرس البستاني" في "زقاق البلاط"، في بيروت، المدرسة الوطنيّة.  كان هدفها أن تكون أبوابها مفتوحة لجميع أبناء الوطن، من دون التّعرّض لمذاهبهم الخصوصيّة، وأن تعمل على تنشيط اللّغة العربيّة، وتبنّي جميع حقول المعرفة.  وقد اجتهد المعلّم "بطرس البستاني"، في مدرسته، في تنمية شعور محبّة الوطن في قلوب تلامذته، وغرس مبادئ الألفة والاتّحاد ليكونوا ذوي غيرة على وطنهم.  أمّا اللّغات الّتي كانت تُدرَّس فيها، فهي العربيّة، والتّركيّة، والفرنسيّة، والإنكليزيّة، واليونانيّة، واللاتينيّة.  تقاطر إليها الطّلبة من كلّ حدب وصوب، ونجحت نجاحاً غريباً، وخرّجت تلامذة من أحسن أدباء عصرنا.  كان للمدرسة الوطنيّة أثر بالغ في إنـهاض اللّغة والأدب العربيّين في النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر، وهي أخلص مآتيه في سبيل اتّحاد أبناء بلاده.  توقّفت سنة 1877.

وفاته

مساء الأوّل من أيّار عام 1883، بينما كان المعلّم "بطرس البستاني" بين الكتب والمحابر، فاجأته نوبة قلبيّة لم تمهله إلاّ القليل؛ فهزّ منعاه البلاد.  وقد رثاه رجال العلم والأدب، بخاصّة صديق صباه الدّكتور المرسل "كرنيليوس فاندايك" الّذي رثاه قائلاً: "يا صديقي ورفيق صباي"، فبكى وأبكى.  ولم تبق صحيفة ذات قيمة في دنيا العرب إلاّ ووقفت عند مآثره وعلمه وأدبه.

دُفِنَ المعلّم "بطرس البستاني" في مقبرة الكنيسة الإنجيليّة في بيروت قرب طريق الشّام. حضر جنازته عظماء النّاس على اختلاف الطّبقات من ذوي المناصب والعلم، والأمراء والعلماء والوجهاء، ومشى الآلاف من وطنيّين وأجانب يرافقونه في رحلته الأخيرة.  وهكذا، انتهت حياة شخص امتلأت بالإيمان والمحبّة والرّجاء والعمل من دون كَلَل، في سبيل نشر الهداية والوعي والثّقافة وتحقيق المنفعة العامّة، والقوّة والتّقدّم في المجتمع لإنهاض جيله من ظلم الجهل والأمّيّة، وركب مسيرة التّمدّن والرّقيّ والحضارة.