النسيان من أجل التقدّم

الموضوع:
العدد:
السنة:

نسمع في عالم الرياضة عن تسجيل الأهداف وكسر الأرقام القياسيّة. الإنسان يتقدّم إلى الأمام في كافة ميادين الحياة التي يعيش فيها العلميّة منها أو المهنيّة أو الاجتماعيّة. من لا يتقدّم إلى الأمام يصير خارج المعادلة. هناك أشخاص لم يعملوا شيئًا ولا يُريدون أن يفتخروا بشيء. ماذا نفعل لهم؟ لا نقدر أن نفعل لهم الكثير. من لا حلم له، ولا رؤية له، ولا هدف له، يُحيّرك ويؤلّمك إذ تفتكر به وهو غير متألّم لحاله. أمن الطبيعي وجود ذلك بين الناس؟

ينسحب الأمر على الحياة الروحيّة والإيمان والعلاقة الشخصيّة بالرّب. هناك من لا يفتكر بها، ولا تهمّه، ولا يتقدّم سنتمترًا واحدًا إلى الأمام. ونسأل أليست إرادة الله دائمًا لخير الإنسان؟ إلا أن البعض لا يعرفون إرادة الله ولا يختبرونها. ما العائق الذي يُكبّل روح الإنسان عن التقدّم إلى الأمام؟ علينا أن نبحث في أعماق النفس البشريّة لنجد السرّ المدفون الذي يُعيق أي تقدّم روحيّ ملموس. يقول المسيح: "أذكر من أين سقطت". يفرض هذا أن يكون البحث صادقًا ومتجرّدًا ليستطيع الإنسان أن يجد علّته التي تُعيقه فيتحرّر منها وينساها لأنها مصدر شقائه وعدم تقدّمه.

اعتمد بولس الرسول مبدأ النسيان من أجل التقدم. قال: "أيّها الأخوة، أنا لستُ أحسب نفسي أني قد أدركت. ولكنّي أفعل شيئًا واحدًا: إذ أنا أنسى ما هو وراء وأمتدّ إلى ما هو قدّام، أسعى نحو الغرض لأجل جعالة دعوة الله العليا في المسيح يسوع" (في 3: 13-14).

إن اعتمدنا فلسفة بولس فعلينا أن ننسى الماضي باختباراته وأمجاده، فإيماننا كما حياتنا، ليس ماضويًّا ولا تاريخيًّا ولا يقف عند لحظة مجيدة قد مرّت. علينا أن ننسى الماضي بعلله وخطاياه والأمور التي نستحي بها فتُعوّق حياتنا. وعلينا أن ننسى أصدقاء ورّطونا في آلام الحياة ولا يستطيعون أن يفعلوا ما هو أفضل. وعلينا أن ننسى ما خلفناه وراءنا من أعمال وأساليب اعتمدناها لتدبير أمورنا ولم تكن على قدر الإحترام ولا يوافق عليها ضمير وأخلاق وربّ. ولا بدّ من نسيان ما خلفنا من تهاون وكسل روحي واستهتار بالشركة مع الرب لتكون لنا فرصة اختبار الانتعاش والنهضة الروحية.

بولس يفعل هذا الشيء الواحد، ينسى ما في الوراء ويمتدّ إلى ما هو قدّام. لو بقي بولس في ماضيه، لبقيَ أشقى جميع الناس ولبقيَ أول الخطاة. هناك ضرورات في الحياة تفرض النسيان، منها ضرورة التقدّم. كان على يوسف أن ينسى ما فعله أخوته معه يوم باعوه للقافلة الإسماعيلية ليتمكّن من شقّ طريقه بعيدًا عن جروح الخيانة والتنكّر له. وكان لا بدّ لداود أن ينسى دوافعه الخاطئة التي أودت به إلى الخطية كي لا يعود إليها ويسقط ثانية. كذلك كان لا بدّ لأنوسيموس أن ينسى عبوديته ليتمكّن من أن يخدم كرجل حرّ.

وعلينا، بعد أن ننسى ونمتدّ، أن نكسر رقمًا في حياتنا فنسير نحو أهداف روحيّة أعلى لم نبلغها بعد. فلا يمكن الحياة الروحية أن تكون هامشية أو عادية أو بحدّها الأدنى. قيمتي كإنسان هي في قدرتي على التغيّر وعلى تسجيل الانتصارات. أنا بخير كلّما نسيت ما يجب أن أنساه وتقدمت إلى الأمام وأظهرت أن الله يعمل فيّ ويُساعدني على أن أتحرّر من ماضيّ وأتقدّم في حياة الانتصار معه.