حاجة الكنيسة إلى خدّام نبويّين

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

تحتاج الكنيسة في كلّ عصر إلى خدّام نبويّين يعلّمون أنّ الدّيانة الحقيقيّة تتأسّس على شركة صحيحة مع الله، وتتفاعل في علاقة سليمة مع النّاس. تفوت بعض المنخرطين في خدمة المسيح هذه الحقيقة فيبتعدون عن تحقيق هذا النّموذج الّذي تجلّى في محطّات كثيرة من التّاريخ المقدّس. أمّا النّاس فيشعرون بهذه الحاجة ويُعبّرون عنها، لكنّهم لا يعرفون، في الكثير من الأحوال، كيف ومن أين يأتي هؤلاء "الأنبياء"؟ وما هو دورهم؟ وما هي رسالتهم؟ نعود في هذا المقال إلى طرح حاجة الكنيسة الى خادم نبويّ، ونحاول تعريفه وشرح عمله ورسالته وتأثيره في المجتمع الّذي يعيش فيه.  

الحاجة إلى خدّام أنبياء

عاش النّبيّ عاموس، في زمن الازدهار الاقتصاديّ، يوم توسّعت تخوم الأمّة فزادت الثّروة وكثُر التّرف في أوساط المجتمع العالية وقلّت الرّحمة والشّعور مع الضّعفاء. تصف كلمات النّبيّ هذه النّاحية بقوله: "المضطَجِعون على أسرَّةٍ من العاج، الهاذِرون مع صوت الرّباب، الشّاربون من كؤوس الخمر والّذين يدّهنون بأفضل الأدهان ولا يغتمّون على انسحاق يوسف" (عا 6: 4-6). جاء رجل الله يوبّخ على لا مبالاة الطّبقة الحاكمة بالانحطاط الرّوحيّ والأخلاقيّ عند الشعب؛ إذ كانوا يشعرون بالأمان بسبب الغنى المادّيّ، ففقدوا الحياة الرّوحيّة والإحساس بالحاجة إلى الاتّكال على الله.

وهناك ثانيًا الظّلم الاجتماعيّ، وهو الوجه الآخر لأمّة مُزدهرة مُترَفَة. وتحدّث النّبيّ عاموس عن المساكين، بائسي الأرض، الضّعفاء الّذين يرغب الأغنياء في سحقهم (8: 4-11). عندما تزول الطّبقة الوسطى بسبب ترف الأغنياء، ينتشر الفقر والجهل والبطالة والأوبئة والإلحاد. يجب أن يكون للكنيسة كلمة في المظالم الاجتماعيّة، وعليها أن تساعد الإنسان لتغيير ظروفه المتردّية. لا يمكن لها أن تهتمّ بنفوس النّاس وتتغافل عن أوضاعهم المعيشيّة. مَن يدرس التّاريخ يجد المبشّرين وقادة الكنائس الّذين اهتمّوا بالتّربية والتّعليم، ويجد النّهضات الرّوحيّة تجرّ خلفها النّموّ المعيشيّ والاستقرار الاجتماعيّ.

الميزة الثّالثة الّتي تبرّر الحاجة إلى الأنبياء، هي الفساد الأخلاقيّ والانحراف الدّينيّ. ساد العنف وكثُرت الخطيّة في العصر الّذي عاش فيه النّبيّ عاموس، وانحرف النّاس بعيدًا عن الله نحو عبادات مغلوطة. دان النّبيّ خطايا السّرقة والاغتصاب والرّهان والزّنى والقتل والاستعباد وإذلال النّاس. عندما يتحوّل الدِّين إلى مجموعة من الطّقوس والاحتفالات، ولا يعود له تأثير في عقول النّاس وحياتهم، عندها تكون الحاجة كبيرة جدًّا إلى نبيّ من الله. 

تعريف الخدّام النبويّين

يستخدم الكتاب المقدّس عبارات أساسيّة في وصف النّبيّ، فهو شخص يُعلن الحقّ الإلهيّ. إنّه ناطق باسم الله لجيله. كان يوحنّا المعمدان "صوتُ صارخٍ في البرّية" يُطالب النّاس بالتّوبة وإصْلاح طُرُقهم ليتهيّئوا لمجيء يسوع. يمتلئ النّبيّ حماسة لإعلان البِرّ، يشتعل في قلبه كلام الله فلا يرتاح حتّى يُعلنه. والنّبيّ أيضًا شخص "يرى". وُصِف صموئيل النّبيّ بالرّائي، أي الّذي يرى بعينيه، ووُصِف غيره بالكلمة العبريّة "خوزاي"، أي يرى بعقله. كان الله يُعلن ذاته للنّبيّ، وكان النبيّ بقوّة الرّوح القدس يرى ويفهم الحقائق الرّوحيّة والعوائص والأسرار الإلهيّة. ومن ألقاب النّبيّ أيضا أنّه رجل الله (1مل13: 1)، إنسان الرّوح (هو 10: 7)، عبد الله (إر4: 25)، ملاك الرّبّ ورسوله (ملا3: 1). تُشير هذه الصّفات إلى السّلطة الّتي تخوّل النّبيّ لأن يتكلّم بثقة وجرأة. فلقد أقامه الله وملأه بروحه وزوّده برسالة خاصّة لشعبه.

عمل الأنبياء وتأثيرهم في المجتمع

تظنّ الغالبيّة السّاحقة من النّاس أنّ الخادم النّبويّ هو مَن كان يكشف أحداث المستقبل ويصنع المعجزات. هذا صحيح، إلاّ أنّه كان جزءًا يسيرًا من خدمته. كان عمله الأساسيّ أن يتكلّم إلى بني جيله. صحيح أنّ الحقائق الّتي يعلنها تناسب كلّ جيل في كلّ مكان، ولكنها أُعْطِيَت له بالد‍ّرجة الأولى من أجل شعب معيّن له حاجة خاصّة.

كان الأنبياء رجال دولة. وتشير دراسة سيرتهم إلى اهتمامهم الكبير في بناء أمّتهم دينيًّا وأخلاقيًّا وحتّى سياسيًّا. كان إشعياء مستشارًا للملوك، وكان دانيال رئيسًا للوزراء، وكان إيليّا موبِّخًا صارِمًا للملك آخاب، وكان صموئيل ماسِحًا للملوك وقاضيًا للشّعب. اهتمّ كلّ نبيّ في وقته بصالح شعبه العام، لكي يتمتّع برضى الله وبركاته. وكان الأنبياء أيضًا مُصلِحين، رأوا قداسة الله ورغبوا في أن تتحوّل نجاستهم ونجاسة شعبهم الى بِرّ وقداسة وعدل وحقّ. لم يكونوا مُصْلِحين دينيّين فحسب، بل أيضًا مُصْلِحين اجتماعيّين، طالبوا بأن يُظهِر النّاس إيمانهم بأفعالهم، فلا يعود الغنيّ يظلم الفقير، ولا الفقير يحقد على الغنيّ، والتّاجر يُصبح نزيهًا، ويُكرم الجميع الصّدق والطّهارة والأخلاق.

ومن عمل الأنبياء الطّبيعيّ أيضًا الوعظ والتّبشير. يحارب الشّيطان دائمًا خدمة الوعظ بإقامة أنبياء كذبة، كما حدث في أيّام النّبيّين إيليّا وميخا، لكي يخدع الشّعب. ويحاول أن يُلغي خدمة الوعظ كما حدث في القرون الوسطى، فعاش النّاس في ظلام روحيّ دامس حتّى جاء عصر الإصلاح. كما إنّه يُلهي النّاس عن خدمة الوعظ فلا يعتبرونها كما يجب ولا تعود تؤثّر في حياتهم كما ينبغي. وعَظَ أنبياء الكتاب المقدّس عن رجاء حيّ لأمّة تتوب إلى الله وتلتفت إلى خلاصه وتتّكل عليه. وأعلنوا للنّاس وعود الله الطيّبة والمعزّية والمشجّعة. وكان الأنبياء كذلك الأمر كُتّابًا مُلْهَمين، تكلّموا بأقوال الله ودوّنوا كلامه فكانت كتاباتهم بركة للأجيال.

رسالة الخدّام النبويّين

شدّد الأنبياء على وجوب اتّحاد الإيمان الدّينيّ بالمسلك الأخلاقيّ. لا يمكن الفصل بين العقيدة والحياة، بين الاختبار الرّوحيّ والسّلوك اليوميّ. لذلك انتقدوا الكهنة غير المُبالين، وهَجوا المراسيمَ الدّينيّة الطّقسيّة، ودانوا الخطيّة. وأعلنوا أنّ الخطيّة هي شأن فرديّ، وأنّ علاقة الله مع البشر ليست عنصريّة بل شخصيّة. إنّ امتياز الانتماء إلى شعب الرّبّ لا ينفي مسؤوليّة الفرد في أن يطيع الله شخصيًّا. تكلّم كلّ من حزقيال وإرميا على أنّ كلّ إنسان مسؤولٌ عن تصرّفاته الخاصّة، وسيُقدّم عنها حسابًا أمام الله الّذي يقضي بعدل (إر31: 30 ؛ حز18: 1-4).

والخطيّة، قال الأنبياء، هي تمرّد على إله قدير وهي نابعة من قلب فاسد شرّير. وهنا تكمن حاجة كلّ إنسان إلى الدّخول في عهد جديد مع الله وإلى اختبار تطهير خاصّ في قلبه وفكره (إر31: 33 ؛ حز36: 26-27). وعلّم الأنبياء أيضًا أنّ التّاريخ كلّه هو تحت سيطرة الله الّذي سيدين الأمم كما سيدين الأفراد. و شدّد الأنبياء أخيرًا على أنّ مهمَة القائد، الدّينيّ والزّمنيّ، مقدَّسَة. إنّه وكيل الله، ممّا يتطلّب منه أمانة وجدّية والتزامًا.

هناك تشابه كبير بين أيّامنا الحاضرة وأيّام الأنبياء الغابرة، فكلاهما في فساد وشرّ كبيرين. ولا تزال المبادئ الّتي أعلنها رجال الله في التّاريخ، سارية المفعول اليوم. يجب قبول إعلانات الله لخدّامه الأنبياء، والعيش بموجبها. كنيسة المسيح ما زالت بحاجة إلى "أنبياء" يوبِّخون على الخطايا والمفاسد ويُصلِحون في النّاس والمجتمع ويُهيّئون النّفوس ليوم الدّينونة. فهل يكون كلّ خادم للمسيح وكلّ مؤمن مملوءًا من الرّوح القدس صوتُ صارخٍ في بريّة هذه الأيّام القاحلة، أو يستمرّ النّاس في ابتعادهم عن الله ولا مَن يُنذرهم؟