غيرتي من الأشرار كادت تقتلني

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

(صياغة بتصرّف للمزمور 73 الّذي يُنصح بقراءته قبل هذا المقال وبعده)

في هذه الكلمات، أعترفُ أنّه، وبينما كنتُ أسير في هذه الحياة، أراقب النّاس من حولي، رأيت أنّهم يتفاوتون في الطّبقات الاجتماعيّة والقدرات. وظننتُ أنّ المؤمنين هم دومًا ضعفاء وفقراء، وتساءلتُ عن سبب غنى الأشرار، وأُخِذتُ بأمرهم... وبينما كنت أراقبهم، تأثّرت جدًّا بِما يَملكونه وبِما يتمتّعون به... وكادت قدميّ تزلاّن خلفهم. فأنا غِرتُ من المتكبّرين المتنعّمين، إذ لم يكن لديهم ما يشغل بالهم. فليس من شدّةٍ تُضايقهم، وحالتهم الصحّية والمعنويّة والماديّة على أفضل حال! مِمّا دفعهم إلى الافتخار والارتفاع بقلوبهم، فتجبّروا على الرّبّ خالقهم، وصنعوا الشّرّ والخطيّة والفساد أمامه من دون أيّ رادع. وصاروا يتكلّمون بعظائم، ويستهزئون ويُجدّفون على الرّبّ وعلى عبيده، حتّى أنّهم "جَعَلوا أفواههم في السّماء وألسنتهم تتمشّى على الأرض!". ورأيتهم يستخفّون بالرّبّ وبقدرته في حياتهم، ظانّين أنّ الله  لا يعلم ما يفعلون. وصارت حياتهم أكثر دنيويّة لا تهدف إلاّ إلى إشباع الذّات والشّهوات، وتَحقيق الثّروة والشّهرة والتّمتّع بالخطيّة والشّرّ والفساد.

وبينما كنتُ أراقب هؤلاء النّاس وأُقارن سلامتهم وغناهم والفرح الظّاهر على وجوههم بحالتي، أصابني اليأس والفشل والكآبة... فهم لا يخافون الله ويتنعّمون بأمور لم تكن لي يومًا، على الرّغم من كلّ إيماني وجهادي في الحياة. وهكذا شككتُ بالرّبّ وبوعوده، وأُحبِطتُ حتّى "تَمَرمَر قلبي وانتخَسَتْ فيَّ كلْيَتيّ!"

لكن لَمّا رجعتُ و"دخَلتُ إلى مقادِس الله وانتبهَت إلى آخرتِهم"، وجدتُ بالحقيقة كم أنّ نِهايتهم مأساويّة وحالتهم مُخزية للغاية! وأدركتُ في المُحصّلة أنّه ليس لهم أيّ سَلام حقيقيّ وغناهم يعتمد على أشياء فانية. لقد ساعدني وقوفي في حضرة الله على رؤية الأمور من منظاره السّماويّ وليس من منظاري البشريّ. وبعدها، أدركتُ أنّي أخطأت إلى العليّ بتفكيري وسَمحتُ لبريق الماديّات وللشّيطان أن يشوّشا أفكاري ويدفعاني إلى التّذمّر على الرّبّ والشّكّ بوعوده وبعنايته بأولاده! أمّا الدّرس الكبير الّذي تعلّمته بفضل هذا الاختبار، الّذي آلمني نفسيًّا وروحيًّا، فهو أن لا أسمح لنفسي بأن تتمرّمر في مراقبة النّاس، وأن لا أحسد أحدًا وبخاصّة الأشرار. فالله صالح لأنقياء القلب، والأفضل لي أن أكون معه دومًا، وهو الممسِك بيميني ويُهديني برأيه، وفي نهاية الأمر إلى مجده يأخذني.

إلهي الصّالح، مَن لي في السّماء غيرك، ومعك لا أُريد شيئًا في الأرض. وإنْ فَنِيَ لحمي تبقى أنت نصيبي وصخرتي إلى الدّهر. أمّا البعداءِ فعنكَ يبيدون، "أمَّا أنا فالاقْتِرابُ إلى الله حَسَنٌ لي. جَعَلْتُ بالسّيِّد الرّبّ ملْجإي، لأخْبِر بكُلِّ صَنائعك".