كالفن والسّياسة

العدد:
السنة:

إذا كنتَ تعيش في جمهوريّة، في أمّة يحكمها رؤساء مُنتَخبون، لا في دولة استبداديّة أو تحت حكومة طاغية، فيجب أن تشكر "جون كالفن". ففي الفصل الأخير من مؤلّفه "ملخّص التّعليم المسيحيّ"، أعرب "كالفن" عن تفضيله لهذا النّوع من الحُكم، الّذي كان سابقًا لعصره في القرن السّادس عشر. وعلى الرّغم من إدراكه أنّ كلّ أنواع الحُكم في هذا العالم هي ضمن مشيئة الله، إلاّ أنّه اعتبر أنّ الحُكم الجمهوريّ قد يضع الرّؤساء أو المُمثّلين عن الشّعب موضع المراقبين لبعضهم بعضًا، ممّا يحول دون الحكم الاستبداديّ. لقد خاف "كالفن" من اغتصاب الإنسان للسُّلطة بسبب فساده. لذلك، فإنّ الخيار بوجود رؤساء مُنتَخبين قد يعني إظهار مشيئة الله لشعبه. إنّ الحُكم الجمهوريّ، أو حُكم القضاة، يعكس النّموذج الكتابيّ عن حُكم الشّيوح المنتخبين للكنيسة.

لقد أنقذ "جون كالفن"، وغيره من المُصلِحين، الحكومة المدنيّة، من أيدي الملوك والحكّام الّذين كانوا أسرى البابويّة الّتي أضعفتهم في القرون الوسطى. فقد استخدم البابوات سلطتهم الرّوحيّة كسلاح لإجبار الملوك على تقديم الطّاعة لهم، ولتعيين ممثّلين عن الكنيسة في بلادهم. ومثال على ذلك، فقد أجبر البابا "إنّوسِنت الثّالث" ملك إنكلترا "جون" وملك فرنسا "فيليب الثّاني" على طاعته، وتآمر على تعيين الملك "فريدريك الثّاني" على عرش الإمبراطوريّة الرّومانيّة المقدّسة.

بالنّسبة إلى "كالفن" والمُصلِحين، كان اللاّهوت الجيّد يعني أيضًا السّياسة الجيّدة. لقد ضربت عقائد التّبرير بالإيمان والاختيار وتعيين الله المُسبَق تعليم كنيسة روما بأنّ لها وحدها مفاتيح ملكوت السّموات بواسطة الفرائض. وكان باستطاعة البابوات تهديد المؤمنين والملوك بالحرمان الكنسيّ نتيجة عصيانهم. ونتيجة لذلك، كان على هؤلاء الأفراد والأمم مواجهة خطر اللّعنة الأبديّة بعد موتهم!

إنّ الخلاف بين البابوات والملوك حول تعيين ممثّلين للكنيسة في البلاد كان أكثر من مجرّد قضيّة كنسيّة. فقد سيطر الأساقفة ورؤساء الأديرة على أراضي الكنيسة وأملاكها، والّتي كانت أكبر مالِك للأراضي في العصور الوسطى، حين كانت الأرض هي المصدر الأوّل والأساس للثّراء. كان التّحكّم في الأراضي، الخاصّة أو التّابعة للكنيسة، يعني التّحكّم بمداخيلها أيضًا، ممّا أوجد الصّراع بين الدّولة والكنيسة على السّلطة. وقد استطاع النّبلاء الحصول على حرّيّة اقتصاديّة أكبر بفضل تحرّرهم من السّلطة الرّوحيّة لكنيسة روما، وتعيينهم لممثّلي الكنيسة في بلادهم. إضافة إلى ذلك، فإنّ مدخول الكنيسة من بيع صكوك الغفران في فرنسا والولايات الألمانيّة شقّ طريقه إلى روما، ممّا حدا ببعض النّبلاء الألمان والفرنسيّين على الحثّ على إبقاء هذا المال في بلادهم.

أمّا الحكومة المدنيّة بالنّسبة إلى "كالفن" فكانت مهمّة جدًّا، فهي مؤسّسة أوجدها الله، كالكنيسة والعائلة. والخدمة في هذه الحكومة كانت دعوة مقدَّسة. وكان للحكومة المدنيّة "قوّة السّيف" لحماية الشّعب ومعاقبة الأشرار ومساعدة الكنيسة. وعلى عكس كثيرين من أتباعه اليوم، رفض "كالفن" مبدأ الثّورة، وحافظ على مبدأ طاعة المؤمنين للحكومة المدنيّة، وبدلاً من انقلاب المؤمنين على الحكم الطّغيانيّ بإمكانهم معارضته والعمل داخل الحكومة على تغييره. وآمن أيضًا بأنّ للمؤمن الحقّ في معارضة السّلطة المدنيّة في حال أمرت بالقيام بأعمال تتنافى مع تعاليم الكتاب المقدّس، ولكنّ ذلك لن يعفيه من نّتائج موقفه.

لعلّ أهمّ ما أورثنا إيّاه "كالفن" هو التّوازن الّذي حقّقه بين الكنيسة والدّولة، فكلاهما مؤسّستان وضعهما الله. لقد ميّز القدّيس "أوغسطينوس"، أحد آباء الكنيسة الأوائل، والّذي عاش في الحقبة الأخيرة من الإمبراطوريّة الرّومانيّة الّتي اضطهدت الكنيسة، بين المملكتين في مؤلَّفه "مدينة الله". واعتبر أنّ مملكة الله مُنفصلة عن مملكة الإنسان الأرضيّة. أمّا "توما الأكوينيّ" فقد أعاد جمع الكنيسة والدّولة معًا في مجتمع عالميّ يحكمه البابا. وبذلك، فقد أراد كلّ من "لوثر" و"كالفن" إعادة إحياء فكر "أوغسطينوس" حول فصل الدّين عن الدّولة.

لكنّ الصّعوبة بالنّسبة إلى "لوثر" و"كالفن" كانت في إيجاد الحدود بين الاثنين. فقد فضّل "لوثر"، وبدعم من أمراء ألمانيا، السّلطة المطلقة للدّولة على الكنيسة، بينما دعا كالفن الخدّام المنتخبين إلى أن يحكموا المدينة بحسب ناموس الله. لكنّ معارضة الـ"أنّابابتيست" وغير المتديّنين لـ"كالفن" أجبرته على الهرب إلى "ستراسبورغ". وفي العام 1541 عاد إلى جنيف، وبعد صراع طويل مع المجلس الحاكم في المدينة، استطاع "كالفن" الحصول على دعمٍ كافٍ لكي تحكم لجنة الكنيسة على مدينة جنيف. فحافظت الدّولة على النّظام وخدمت الكنيسة، وبدورها ضبطت الكنيسة الحياة الأخلاقيّة والدّينيّة في المجتمع.

لقد كان الهدف الأسمى لـ"كالفن" من نحو الكنيسة في جنيف هو مساعدة المؤمنين على تمجيد الله، ومساعدة المختارين على إدراك الهدف من خلاصهم، بالإضافة إلى اهتمامات أخرى كمحاربة الشّرّ وحماية المؤمنين. وفي سنواته الأخيرة في جنيف، فرض "كالفن" ولجنة كنيسته قانونًا أخلاقيًّا على المدينة والأفراد. وميّز هذا القانون في توزيع العقوبات بين الإساءات الصّغيرة والكبيرة وسمح بالإعدام في حال الجرائم الّتي تمسّ أمن المواطنين والمدينة.

وبينما آمن "كالفن" بفصل الكنيسة عن الدّولة، علّم أيضًا أنّ على شيوخ الكنائس أن يتحمّلوا مسؤوليّتهم أمام الله ويُشيروا على السّلطات المدنيّة في الأمور المختصّة بالدّين، كما بإمكانهم أن يُعارضوا السّياسات الّتي تتنافى مع تعاليم الكتاب المقدّس أو تتضارب مع الحرّيّة الدّينيّة. وفي الوقت عينه، آمن "كالفن" بالحرّيّة الاقتصاديّة والدّينيّة، وساهم إلى حدٍّ ما في إعطاء المرأة حرّيّتها. واعتبر أنّ المرأة ليست أدنى منزلة روحيًّا، بل توازي الرّجل في خطيّتها وفي حاجتها إلى الخلاص. وسمح "كالفن" للمرأة بأن تقرأ الكتاب المقدّس وتُشارك في خدمات الكنيسة، وفي الوقت نفسه عليها أن تخضع لزوجها وللرّجل في الكنيسة.

لقد كان لـ"جون كالفن" الأثر الكبير في الحضارة المسيحيّة الغربيّة سياسيًّا واقتصاديًّا ومجتمعيًّا وروحيًّا. وبالإمكان اختصار فكره السياسيّ بالتالي: أنّه يُريد أن يعيش الإنسان في مجتمع يسوده البِرّ.