ما وراء العالم

الكاتب:
العدد:
السنة:

"الآن دينونة هذا العالم، الآن يُطرَح رئيس هذا العالم خارجًا، وأنا إن ارتفعتُ عن الأرض أجذب إليّ الجميع" (يوحنّا 12: 31، 32). بهذه الكلمات نطق الرّبّ يسوع في الوقت الّذي كان يدخل فيه أورشليم. بهذه الكلمات بشّرَنا بخبر يمتزج فيه الفرح والألم، ألا وهو أنّ الفداء قريب وأنّ رئيس هذا العالم قد طُرح خارجًا. لكن، ما الّذي قصده يسوع بكلمة "العالم"؟ وما علاقتي بها كمؤمن؟

كلمة "عالم"، كما وردت في العهد الجديد، لها معان كثيرة: فهي ترِد بمعنى العالم المادّيّ، "الإله الّذي خلق العالم وكلّ ما فيه" (أعمال 17: 14). وقد تُستخدَم للدّلالة على النّاس الرّافضين لله "ولم يعرفه العالم" (يوحنّا 1: 10). كما تُستخدَم للدّلالة على الأمور العالميّة كالمال والمسَرّات، الّتي، على الرّغم من أنّها جوفاء وزائلة، تحرّك فينا غرائزنا وتفصلنا عن محبّة الله، فهي بالتّالي تقاوم طريق المسيح. وفي هذا الإطار تشمل كلمة "العالم" هذا النّظام المتجانس الّذي يسود ساحة الصّراع، أي الأرض، والّذي تقف خلفه قوّة محرِّكة وخلف كلّ ما هو ظاهر من "عالميّات".

بدأ نظام "العالم" هذا في اليوم الّذي قبِلَ فيه الإنسان الشَرّ من خلال الخطيئة، فسقط. وهو الّذي كان سيّدًا فيه، وأعطى للمخلوقات الأخرى أسماءها. فدفع العالم إلى آخر صار رئيسًا له (يوحنا 12: 31؛ 16: 11)، حتّى وُضِعَ "العالم كلّه في الشّرّير" (1يوحنّا 5: 19). إذًا، قبل السّقوط كانت الأرض الطّبيعيّة من دون هذا "العالم"، ولكن بعد أن فتح الإنسان الباب على مصراعيه أمام الشّرّير دخل هذا التّنظيم الأرض.

لكن، ماذا عن السّياسة والأدب والعلوم والفنّ والقانون والتّجارة والتّكنولوجيا و الموسيقى وهي كلّها موجودة في عالمنا؟ هل تُصنّف في خانة الشّرّ المطلَق؟ ألم تكن سببًا لتقدّم حياة النّاس وتنعّمهم في هذه الحياة؟ بلى. لا يقدر الإنسان على الحكم على هذه كلّها بالفساد والبُطل. إلاّ أنّ الشّرّير أبدع في هذه المجالات أيضًا. فكم أصبحت الموسيقى المناهضة للرّبّ رائجة! وكم أثمرت التّكنولوجيا في تطوير الأسلحة، حتى بات هناك أسلحة يمكنها القضاء على البشريّة جمعاء! وكم أفسدت السّياسة والتّجارة والمال مجتمعات بكاملها، حتّى ضاعت فيها المفاهيم وانقلبت فيها القِيَم. قد يبدو في عيون بعضهم أنّ هذا الأمر مبالغ فيه. ولكن لتكن الصورة واضحة أمامنا "إنْ أحبَّ أحد العالم فليس فيه محبّة الآب" (1يوحنّا 2: 15).

وقد يستخدم الشّرّير بريق العالم ليُضلّل المؤمنين ويجذبهم إلى العالميّات ليستعبدهم من جديد. إلاّ أنّ روح الله السّاكن فيه يُعين المؤمن على تمييز الأمور وتحاشي الفخاخ، ويُقوّيه لمحاربة، ليس فقط الخطيّة، بل أيضًا العالميّات ورئيس هذا العالم. لكن، على المؤمن أن يعي أنّه، وبينما الله يعمل على بناء كنيسته لتصل إلى مجدها في مُلك المسيح على العالم، كذلك يعمل خصمه على بناء نظامه العالميّ الشّرّير ليصل إلى الذّروة في نظامه المضادّ للمسيح. ولئلاّ نكون مساعدين للشّرّ على بناء مملكته المشؤومة، علينا أن نبقى يقظين لخطورة العالم على حياتنا الرّوحيّة والأخلاقيّة. وعندما نقف عند مفترق طريق بين الأمور المتناقضة، يجب ألاّ يكون السّؤال: أهذا شرّ أم خير؟ بل يجب أن يكون اختيارنا حاسمًا وسريعًا، ولا نُفاضل بين الله والعالميّات، فهذا لا يُمجّد الله بل يهينه ويأتي بالعار على اسمه المجيد.