مطاردة الرّيح

الكاتب:
العدد:
السنة:

هل يصعد النّاس إلى السّطوح عند هبوب العواصف؟ أو هل يختبئون في المنازل عند حدوث الزّلازل؟ وهل يرتدي رجال الأمن دُروعًا من ورق في مواجهة البارود والنّار؟ إنّها أسئلة ساذجة بالتّأكيد، فليس من عاقل يفعل ذلك. إنّما نرى بعضهم يفعل ما يُشبه ذلك، إلى حدّ كبير، عندما يعتمد على ما يُقدِّمُه العالم المادّيّ لسدّ الوحدة والفراغ النّفسيّ القاتلَين. من أين يأتي عَونُنَا عند الحاجة، عند الخوف؟ من أين يأتي عَونُنَا عندما تتصدّع أُسس حياتنا، ونحتاج إلى ما لا يستطيع المال أن يشتريه ولا تُشبِعُه اللّذّات ولا تقدِّمه الحكمة ولا يُنجِزُه كلّ التّعب والكدّ؟ من أين يأتي عونُنَا عندما نحتاج إلى ما هو روحيّ وأبعد من القبر، وما ليس تحت الشّمس أو زائل ووقتيّ؟ هل يشتري المال الحُبّ؟ هل تدوم الصّحّة حتى تُؤمَّن الطّمأنينة؟ وهل تُشبِع ملذّات الجسد النّفس والرّوح حتى يبتعد الخوف والفراغ؟ ألسنا نُطارد الرّيح عندما نبحث عن الأمان في هذا الشّكل وفي هذا الزّمان والمكان؟

لأنّ مطاردة الرّيح مُنهكة وغير مُفيدة، يندفع الكثيرون إلى اتّخاذ موقف سلبيّ من الحياة. قال الفيلسوف "جان بول سارتر": "كلّ وجود هو مَولود بلا سبب، ويبقى يجاهد بضُعفه حتّى يموت بالصّدف". عمليًّا، هذا ما يؤمن به أكثر النّاس، حتّى ولو أنكروا إلحادهم. فهم مُلحدون بالممارسة عندما يُبعدون الله عن حياتهم رافضين الاعتراف بحاجتهم الماسَّة اليه للأمان. وعلى هذا المبدأ، كلّ شيء مُبرَّر ومسموح للبحث عن الارتواء، إنّما من ماءٍ كلُّ منَ يشرب منه يعطش أكثر. حتّى "الحكمة"، في كلّ الحضارات الّتي تبحث عن جواب، هي ليست إلاّ إختباء وتَستُّر عن مواجهة هذا الواقع، إذ يزداد المعتمدون عليها ألَمًا كلّما جاهدوا "لأَنَّ في كَثْرَة الحِكْمَة كَثْرَة الغَمّ والَّذي يَزيدُ عِلْمًا يَزيدُ حُزنًا" (الجامعة 18:1). والنّتيجة هي كما وصفها الكتاب: "وبَيْنما همْ يَزْعُمُون أنَهُمْ حُكَمَاء صاروا جُهَلاء" (رومية 22:1). 

فالمطاردة الفاشلة تُسبِّب اليأس، وتدفع الإنسان إلى قبول أيّ أمر يحمله على التّفاؤل وإبقاء الأمل والشّعور بالأمان على الأقلّ، حتّى وإن لم يوجد ذلك بالحقيقة. وهذا أسوأ ما في الأمر، لأنّنا نُزلاء في هذا العالم الشّبيه بالمحيط الكبير، نُبحر فيه بجسد يشبه القارب الصّغير الذي لا يتَّسع لكثيرين. إنَّ الأحمال الثّقيلة تُغرِق القوارب الصّغيرة، وهي، صغيرة كانت أم كبيرة، لن تصل إلى الميناء من دون قيادة حكيمة. وفي رحلة العبور هذه علينا ألاّ نحمل ما نظنّ أنّه قد يساعدنا، بل علينا أن نخلع ما نستطيع أن نتخلّى عنه. نحن نحتاج إلى قبطان وخريطة وبوصلة، لا إلى أعباء جديدة.   

هل تطارد الرّيح بحثًا عن معونة، أو أنّك تطلبها من صانع القارب وسيّد البرّ والبحر والكلّ؟ "أرْفَعُ عيْنَيَّ إلى الْجِبال من حَيْث يأتي عَوْني. مَعونتي من عنْد الرّبّ صانع السّماوات والأرْض". (المزمور 1:121،2). هل تدعوه إلى قيادة قاربك مُلقيًا عنه ما لا يفيد، مُتمسّكًا بالقناعة رفيقة رحلتك؟ "فإنْ كان لنا قوتٌ وكِسْوَةٌ فلْنَكْتفِ بهما" (1تيموثاوس 8:6). هل تستمرّ في مطاردة الرّيح أو تحتمي بالرّبّ وتقول مع داود: "الرّبُّ صَخْرتي وحِصْني ومُنْقذي. إلهي صَخْرتي به أحْتمي. تُرْسي وقَرْنُ خَلاصي ومَلْجإي" (المزمور 2:18)؟