من الظلمة إلى النور

الموضوع:
العدد:
السنة:

سنة، سنتان، وربما ثلاث سنوات - أي كامل مدة كرازة يسوع على الأرض - قضاها ذاك الأعمى وهو يطلب إلى الربّ ويترجّاه أن تجمعه الصدفة بالمرسل من الله، فينظر إلى مذلته ويعينه على ضعفه. ولا ندري هل إن هذا الشخص قد ولد أعمى أو أنه تعرّض لحادث أو لمرض ما أفقده نعمة النظر. وانعكست عليه حالته الجسدية ذلّاً ومرارةً وعوزاً مادياً ونفسياً وروحياً.

لمن يلجأ هذا الإنسان راجياً إلا إلى الله؟ فالجميع يمرّ به، بعضهم ينظر ولا يأبه، وبعضهم الآخر يتعاطف ويتفضل بالقليل. كسرت علَّته قلبه، وداست كرامته، وانحدرت به إلى أدنى المستويات فألزمته جانب الطريق. لكنه لم ييأس ولم يملّ ولم يتعب، بل تابع صراخه إلى الله ملجئه الوحيد. إلى أن جاءت اللحظة؛ تناهت إليه أصوات الجموع الغفيرة؛ عرف أن يسوع قريب، فانفجر بأعلى الصوت ينادي: يا يسوع ابن داود ارحمني! بصيص نور لاح في حياته من حيث لا يدري. لم تثنِه الحشود ولا الضجيج، بل انبرى يصرخ إلى القادر على شفائه.

مرور يسوع في أريحا ذلك اليوم لم يكن عرضياً أو بالصدفة. فهو في رحلته الأخيرة إلى أورشليم لكي يتمم الفداء. عرفَ تمام المعرفة متى يصعد إلى المدنية المقدسة والهدف من صعوده إليها ومن يُريد أن يلتقي فيها. لم يغب عن فكره على مدى الأعوام الثلاثة صوت صلاة هذا الأعمى، تماماً كما استمع إلى صوت نثنائيل وهو يصلي منفرداً تحت التينة. وربّما تبدو السنوات الثلاث فترة طويلة بالنسبة إلى الإنسان المبصر، لكنها كالأبديّة بالنسبة إلى ذلك الأعمى الذي كان سيقضي عمره كلّه في الظلمة. لكنّ صلاته ستُستجاب بأسرع مما توقّع...

لم يُفاجأ يسوع بصراخ الأعمى، بل كان ينتظره ويبحث عنه، ولما سمعه طلبه. ما أجمل أن تسمع أذن الإنسان الرب يقول له: ماذا تريد أن أفعل بك؟ أراد الأعمى شيئاً واحداً. لم يطلب مالاً ولا راحة ولا نجاحاً ولا كرامة ولا مقاماً... طلب أمراً واحداً: النور. قيّده الظلام وأتعبه وكسره. فأراد أن يتحرّر منه ليدخل النور حياته ويتخلص من الماضي الأليم. يسوع، وهو النور الذي جاء إلى العالم ليضيء في الظلمة، أكرم إيمانه وأضاء حياته واستجاب لطلبته.

غَرَقُ ذلك الإنسان في الظلمة وما جلبته معها من مذلة دفعه ليطلب الرب بكل قلبه. فهو قد أدرك حقيقة وضعه ومدى السواد في حياته، واعترف أنّه عاجز عن فعل أي شيء حيال ذلك، فطلب من الرب أن ينقله من الظلمة إلى النور. وحده يسوع قادرٌ على منحه ما يعجز غيره عنه.

يُشجعني ذاك الأعمى لأصرخ إلى الرّبّ من كلّ قلبي، فهو يسمعني حتى لو لم أشعر بذلك أو حتى لو لم أكن قد قابلته. المسيح أحنُّ عليَّ من أبي وأقرب إليّ من أمي. لن يدعني في وحدتي، ولا يقبل أن أغرق في مستنقع الوحل فلي فيه وحده النور والحريّة والحياة الكريمة.