الأرز الشامخ وبياض الثلج

الكاتب:
العدد:
السنة:

في أحد أيام الشتاء كنا في طريقنا إلى الجبل، وبعد أن قطعنا المنعطفات، وصلنا إلى التلال المشرفة على الوادي فعاينّا منظرًا خلاّبًا جذبنا من بعيد. الجبال والوديان مكسّوة بالبياض، وإذا بنظري يأخذني إلى بُقعة هائلة من شجر الأرز كان الثلج يحيط بها أما رأسها فبقي مرتفعًا لم يستطع الثلج أن يلامس أطرافها ويغطّيها. عند رؤيتي لهذا، تذكّرت كلمات المرنّم: "الصدّيق كالنخلة يزهو، كالأرز في لبنان ينمو" (مز 92: 12)، فاختلجت في داخلي مشاعر الفخر بأن نمو الصدّيقين في حياة الإيمان شُبِّه بأرز بلادي.

تُعتبر شجرة النخيل من الأشجار المعمِّرة وتتميّز بساق طويلة وغليظة وتكثر زراعتها في البلدان ذات المناخ الاستوائي الدافئ. أما شجر الأرز فهو نوع من الأشجار الدائمة الاخضرار من الفصيلة الصنوبرية السريعة النمو. سمّو الصدّيقين في الإيمان هو كزهوّ النخيل، ونمو الأرز يشير إلى الاستمرارية والثبات – "فيكون كشجرة مغروسة عند مجاري المياه، التي تعطي ثمرها في أوانه، وورقها لا يذبل. وكل ما يصنعه ينجح" (مز 1: 3)؛ أما الشجر المغطّى ببياض الثلج فيرمز إلى النقاء والطهارة. صرخ النبي داود عند توبته قائلا: "طهّرني بالزوفا فأطهر. إغسلني فأبيضّ أكثر من الثلج"، عندما شعر بقداسة الله تلمُس حياته الملوّثة بالخطية. فمن دون قداسة لا نستطيع حقًا أن نُعاين مجد الله أو ننمو إلى ملء قامة المسيح أو نختبر السمّو الروحي في حياتنا المسيحية.

أذكر عندما كنت أتابع دراساتي العليا في بريطانيا أننا ذهبنا إلى مكان ناءٍ فيه بحيرة ضخمة للمياه العذبة مُحاطة بأشجار السرو والسنديان في أقاصي الشمال من أسكوتلندا. سألت مضيفي عن المكان بعدما أذهلني جماله الطبيعي، فقال لي إن اسمه "المنظر الملوكي". اختلجت في داخلي مشاعر التقدير والإبتهاج لعظمة الله وإبداعه. هذا المنظر الرائع الذي فيه واحة من الشجر والبحيرات يعكِس جمالا روحيًا يلبُسه أهل الإيمان وهم يمشون في طريق الحياة إذ يكسونا برّ المسيح وجمال الروح الوديع الهادئ حسبما يقول بولس الرسول: "بل البسوا الرب يسوع المسيح" (رو 14: 13). أظهر المسيح مجده لتلاميذه و"صارت ثيابه تلمع بيضاء جدًّا كالثلج"، وهو أراد لنا أن نكون مشابهين له في نقاء حياته.

إنّ النمو في الإيمان يتطلّب القداسة وطهارة القلب، عندها نستطيع أن ننمو كشجر الأرز والنخيل نموا مطّردًا، لا شيء يُعيق مسيرتنا وتطورنا، بل نُكمِل السعي حاملين مشعل الإيمان، رافعين أجنحة كالنسور، نمشي رحلة الحياة بثبات، رافعين أعيننا إلى الجبال من حيث يأتي عوننا، وممتلئين من كل حكمة ومعرفة. "إحصاء أيامنا هكذا علّمنا فنُؤتى قلب حكمة" (مز 90: 12). يا ليتنا ننمو ونطيع فنُدرك مقدار عظمة الله وسموّه في حياتنا فنسلك بالبرّ مثمرين في كل عمل صالح.