أيوب ثابت: الرئيس المتواضع والمستقيم

العدد:
السنة:

اشتهر في فترة الإنتداب الفرنسي في لبنان الرئيس أيوب ثابت (1875-1947)، الذي كان رمزًا للسياسيّ الإنجيليّ الَّذي تميّز، بحسب شهادات الَّذين عرفوه، بالوطنيّة والأخلاق والتواضع والنزاهة والاستقامة والصدق وبمحبَّة الحقّ والبساطة والانضباط والإصلاح والعمل الدؤوب والأداء القياديّ الصامت والحازم والمحترم في آن. درس ثابت الطب في الكليّة الإنجيليّة السوريّة (الجامعة الأميركيّة في بيروت) وفي تكساس وتخرّج عام 1900 وعاد إلى لبنان ليمارس مهنته، فذاع صيته كطبيب لامع بخاصّة أنّه أسّس أول مختبر طبيّ في البلاد وانتخب سكرتيرًا لجمعيّة الأطباء والصيادلة (1910).

وكسائر أترابه المثقفين يومذاك، اهتمّ ثابت بالسِّياسة وترك عمله كطبيب ليتفرّغ للكتابة وللنضال من أجل استقلال لبنان مع رفاق مرموقين من كل الطوائف عبر جمعيّات سياسيَّة أسّسوها. امتدحه كلّ من عرفه وعمل معه من كبار وجهاء لبنان ومن القناصل الأجانب وعامّة الشعب، إلّا أنّه كان سبب إزعاج للسياسيّين والإداريّين الفاسدين الَّذين ضايقتهم قراراته المتزمتّة كاستعمال الصحون الخزفيّة في التيرو بدلًا من الحَمَام، ومنع الرشوة ومنع التبويل على الحيطان والزمامير في الشوارع وشرب القهوة والكازوز وأكل الفول أثناء الدوام، ورفض ضرب "البرزان" له عند دخوله السرايا. وعدَّ آخرون آراءه السياسيَّة متطرفة كإعطاء المهاجرين حقّ الانتخاب ورفضه أن يكون لبنان جزءًا من المملكة العربيّة حيث يكون مسيحيّوه قلَّة ومطالبته بعلمنة الدَّولة وهو أول من شطب القيد المذهبي عن الهويَّة ليكتب بدلًا منه "لا طائفيّ".

أمّا المناصب الرسميّة الَّتي تبوّأها فكانت: عضوًا في مجلس الشيوخ (1926، 1928)، وزيرًا للداخليّة والصحة والمساعدة العامّة في الحكومة الثلاثيّة، إضافة إلى الرئيس بشارة الخوري وحسين الأحدب (1928)، نائبًا عن الأقليّات في بيروت (1922، 1934، 1937، 1943)، رئيسًا للوزراء في عهد إميل إده (1936-1937)، ورئيسًا للجمهوريّة من 19 آذار 1943 إلى 21 تموز 1943. لم يغتنِ الرئيس ثابت من عمله السياسيّ بل باع بيته في بحمدون ليتطبّب ومات فقيرًا في 14 كانون الثاني 1947. ومن إنجازاته: مشروع النظام الأساسيّ لدولة لبنان الَّذي طلبه المندوب السامي الفرنسي الجنرال سراي (1929)، تقرير التنظيم الإداري في لبنان الكبير (1933)، الإصرار على احترام القانون، تنظيم عمل الحكومة، إعادة تنظيم عمل القضاء والدرك ووزارة الزراعة وتحسين ظروف الموظفين الحكوميّين.

تصف الدكتورة شيرين خيرالله الرئيس أيوب ثابت، وهي كاتبة سيرته، فتقول: "كان رجلًا صاحب صدقيّة أصيلة، غير مساوم، وملتزمًا الأخلاق البروتستانتيّة... وكان وطنيًّا لبنانيًّا، أفكاره سابقة لأيامه. وكلّ ما سعى لأجله في حياته ما زلنا نناضل له اليوم: اللاطائفيّة، حق الانتخاب للمغتربين، ولبنان حرّ". في اختصار، أظهر الرئيس ثابت إيمانه في حياته العامّة، حتّى اتهمه الرئيس بشارة الخوري بالمسيحيّ المتعصّب والوطني المخلِص الَّذي مع ذلك كان لديه أصدقاء مسلمون أوفياء.