أيُّها الشاب: لا تهرب

العدد:
السنة:

"يجب أن تواجه وأن لا تهرب. فكّر بحكمة. فكّر في مستقبلك. كن حكيمًا وأمينًا على ما أقامك الله عليه وتحمّل مسؤوليّاتك." هذا ما نصحه الرّاعي المخضرم لشاب من رعيّته، لكن هذا الشاب المتخرّج حديثًا من جامعته والجديد في عمله  كان قد اتخذ قراره: "أريد راحتي، ولا أريد أن يتدخل أحد في حياتي وقراراتي."

كان قد تخرّج من الجامعة حديثًا ودخل إلى سوق العمل لأوّل مرّة. كل شيء كان جديدًا، وشعر بالضغط الشديد. لم يرَ الفرص، الإستقرار، والتقدّم الذي تؤمّنه الوظيفة له. فالتحديات اليوميّة والمسؤوليات المتزايدة وضغوطات المسائلة أنهكته سريعًا. رفض أن يستمر في عمله، مفضلاً أن يهرب من أفضل مؤسّسات البلد ويسعى وراء راحته بدلاً من المواجهة والكفاح والتقدّم وتحقيق النجاحات.

قصّة هذا الشاب تصوّر ما يصادفه شبّان وشابّات عديدون. فهؤلاء يهربون من الواقع ومن ما يبدو صعبًا مُفضلين الراحة والرخاء، مُردّدين بجهل: "أستطيع أن أفكّر لنفسي!" "أنا مستقل!" "أريد أن أعيش بفرح، دون ضغوطات، دون قيود، ودون حدود!"

كثيرون يحوّلون ظهورهم ووجوههم عن الواقع ومسؤوليات العمل والإنتاج والدراسة وغيرها نحو بدائل تبدو أسهل. ولكن الحياة وكلمة الله تعلّمانا شيئًا آخر. فهذا يونان هرب من مسؤولية وكّله بها الله، فإنتهى به الأمر مرميًّا في البحر وفي بطن الحوت، بينما نوح فثابر في بناء فلك فانتهى فوق الأمواج وناجيًا من الطوفان. امّا يشوع وكالب فدخلا أرض الموعد بعدما آمنا بأن مواجهة الأعداء والإنتصار عليهم أمر حتمي لنيل الأرض. بينما رفاقهم فضّلوا الهروب وعدم خوض الحرب، فماتوا قبل أن يروا الأرض الجديدة. أمّا مثالنا الأعلى  فهو يسوع الذي نراه يواجه الصلب رافضًا الهروب، شامخًا أمام أعظم مسؤولية وحِمل؛ وها هو اليوم منتصرًا ومكلّلاً بالمجد.

يقول الحكيم سليمان أن "الرَّخَاوَةُ لاَ تَمْسِكُ صَيْدًا، أَمَّا ثَرْوَةُ الإِنْسَانِ الْكَرِيمَةُ فَهِيَ الاجْتِهَاد." أمّا الرخاوة فتتجّلى في الكسل وفي الهروب وعدم تحمّل المسؤوليّة واتخاذ الموقف السليم عند إشتداد الظروف وثقل المسؤوليات. ترينا قصص كثيرة في الكتاب المقدس أن أولئك الذين هربوا، إنتهى بهم الأمر في الأعماق، وأما أولئك الذين واجهوا وصمدوا نجحوا وترفّعوا من مجد إلى مجد.   

يجب أن نؤمن بغدٍ أفضل، ولكن لا يجب أن نعتمد على الظروف واهمين أن الأفضل آتٍ لوحده. فهذا "الأفضل" لن يأتي دون المواجهة والإجتهاد. صدّق مَلِك إنكلترا ريتشارد الثاني أن الله والقدر والظروف معه، وأن كلّ ما عليه فعله هو الجلوس بهدوء منتظرًا النصر دون الإجتهاد في الحكم والحرب. لم يعلم أن الله لا يعمل كذلك، بل يعاقب الذي يهرب من مسؤولياته. وهنا سقط هذا الملك وإستلم المُلك شخص كفوء ومجتهد.

إن الكتاب المقدس والتاريخ وإختبارات الناجحين من حولنا كلّها تعلّمنا أن لا نتراخى وأن لا نهرب. إن أولئك الشبيبة الذين يقفون ثابتين وبإجتهاد أمام مسؤوليات الحياة يُباركهم الله والناس وينجحون في الحياة. "من آمن لا يهرب".