إلى أين يسير التاريخ السياسيّ؟

الموضوع:
العدد:
السنة:

من يدرس الفكر السياسيّ للكتاب المقدس، بعهديه القديم والجديد، لا يرى أنّه يعكس نظرة دائريّة إلى تاريخ بشريّ يُكرّر نفسه ولا ينتهي، بل يُقدّم نظرة خطيَّة Linear لتاريخ بشريّ سياسيّ ابتدأ يومًا ما، عندما سلّط الله الإنسان على الأرض، ويسير نحو نهاية، أو نحو غاية، تُتمَّم عند مجيء المسيح الملك لإحقاق ملكوته في "أرضٍ جديدة وسماء جديدة يسكن فيها البرّ" (2بط 3: 10-13؛ رؤ 12: 10). ويكشف العهد الجديد أنّ المجتمع البشريّ سيستمرّ في حالة انحداريّة تتهاوى من سيئ إلى أسوأ، وتتنقَّل من أزمة إلى أخرى، حتّى يصل إلى ذروة مأزومة كبرى تنتهي بمجيء المسيح (مت 24-25؛ مر 13؛ لو 21). عندذاك سيُحقّق المسيح حكمًا سعيدًا يسود فيه البرّ والسلام والمساواة والعدالة والأخوّة والرفاهية، وهذا ما لم تستطع البشريّة تحقيقه تحت ظلّ أفضل حكّامها وكل أنواع النظم السياسيّة الَّتي جرّبتها وشهدها التاريخ (2تي 3: 13؛ رؤ 20: 1-6).

 

من يُراقب مسار الأمور السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة والأمنيّة والأخلاقية والرّوحيّة في عالمنا اليوم، يُدرك أنّ سكّان الأرض بلا رجاء حقيقيّ و"مُعلّقون بحبال الهواء"، كما يقول المثل الشعبيّ. فالسياسيّون عاجزون عن إيقاف مسلسل الانهيارات الدائر في سائر البلدان والمجتمعات. وهم لا يعرفون طريقًا لحلّ الأزمات الَّتي تورّط بها العالم. وتُقدّم نبوّات العهد الجديد إشارات واضحة وقويّة إلى ظهور سلطة عظمى جائرة تسود العالم في لحظة مستقبليَّة وتُقدِّم الحكومات والملوك الطاعة لها لأكثر من سبب، ومنها الاقتصاديّ والأمنيّ والسياسيّ والاجتماعيّ والعلميّ والشخصيّ (رؤ 17: 17). يُختَصَر اسم هذه السلطة بالوحش. أمّا الوحش فيُقدّم نفسه كمسيح مخلّص من أزمات العالم السياسيَّة والاقتصاديَّة والأمنيَّة الملتهبة، وعنده من السلطة والقدرة ما يكفي للتحكّم بكل مفاصل الحكم والسياسة والاقتصاد والإعلام على مستوى الدول وحياة الأفراد حتّى (رؤ 13: 1-18). ولإطفاء الحرائق وضبط الحروب الدينيَّة المتفجِّرة، ستكون للوحش أيضًا الكلمة الفَصْل في العالم الدينيّ الَّذي سيضبطه مع شريك له، ألا وهو المسيح الدجّال، فيحكمان العالم ويخضعانه إلى حين (2تس 2: 3-4).

 

وفي اللحظة المُحدّدة سيظهر المسيح الحقيقيّ، ملك الملوك وربُّ الأرباب، فتؤول إليه كلّ السلطات ويعترف الجميع بربوبيّته وبملكه (في 2: 11؛ رؤ 11: 15-17؛ رؤ 20: 6؛ 22: 5). أما هذا المخطّط فلا يحتاج، لتحقيقه، إلى قوة دفع من المؤمنين به، الَّذين ليس عليهم سوى الاستمرار في الحياة السّاهرة والعمل بموجب التكليف الإلهي لهم وطلب مجيء الرّبّ والاستعداد للقائه (رؤ 22: 17-20). ولكن لا بدّ من القول إن موضوع مجيء يوم الرّبّ يؤثّر كثيرًا في الناشط السياسيّ المسيحيّ إذ يعرف أنّه سيقف يومًا ما أمام عرش المسيح ليُقدِّم حسابًا عمّا سبق أن فعله بالجسد فيعمل كما للرَّبّ ولخير إخوته البشر وليس لنفسه (2كو 5: 10).

 

أمّا أولئك الَّذين رفضوا المسيح وملكه على حياتهم وعاثوا فسادًا في الأرض واستهتارًا بحياة الناس فيُحكم عليهم بدينونة قاسية (مت 25: 31-46؛ لو 19: 27؛ 2بط 3: 10؛ يه 14-15؛ رؤ 1: 7؛ 11: 11-19). المسيح حتمًا آتٍ وسيكون هناك نهاية للعمل السياسيّ النسبيّ والمحدود والمشوب بكل النواقص، وسيكون هناك زمن مجيد آت، يؤسّس فيه المسيح ملكوته ويجلس معه تلاميذه على كراسٍ يملكون معه (لو 22: 29-30؛ رؤ 20: 6؛ 22: 5). هناك فحسب، حيث يكون المسيح وسط شعبه تتحقّق المدينة الفاضلة وسعادة الناس (رؤ 21: 1-4).