اعتبار الذّات

العدد:
السنة:

ما هو؟ من أين يأتي؟ لماذا هو مهمّ؟

هل تذكر أنّك شعرت يومًا بأنّك مهمّ، أو مميّز، أو مُمسك بزمام الأمور، أو أنّك حقّقت أهدافًا مهمّة وضعتها لنفسك؟ هل شعرت يومًا بأنّك راضٍ عن نفسك أو سعيد بمن تكون؟ هذا الشّعور يسمّى تقديرًا أو اعتبار الذّات (Self esteem).

إنّ عبارة "اعتبار الذّات" تدلّ على شعورك تجاه نفسك، وهذا الشّعور يظهر في أقوالك وأفعالك. اعتبار الذّات هو مفتاح الحياة النّاجحة، فقد أثبتت الدّراسات أنّ التّلامذة الأذكياء الّذين ليس لديهم اعتبار لذواتهم يعانون أكاديميًّا؛ أمّا التّلامذة المتوسّطي الذّكاء الّذين لديهم اعتبار لذواتهم، فيتفوّقون. فاعتبار الذّات هو عنصر مهمّ جدًّا للنّجاح الأكاديميّ، والنّجاح في الحياة ككلّ.

اعتبار الذّات يجعلك تشعر بأنّك:

-       محبوب، مهمّ، مقبول، ويحبّ الآخرون رفقتك.

-       قادر، تتّكل على نفسك وتثق بها، تجرّب أشياء جديدة ولا تستسلم بسهولة.

-       فعّال، تؤثّر في غيرك وفي الظّروف المحيطة بك. مُنفتح، تتحمّل الضّغط، وتعبّر عن شعورك بحرّيّة.

-       مُنتج، تقوم بواجباتك على أكمل وجه، تقدّم الخدمات و تفتخر بعملك.

لقد برهنت الدّراسات أنّ النّاس الّذين عندهم اعتبار لذواتهم هم أكثر سعادة من غيرهم، والآخرون يقبلونهم، ولديهم الكثير من الأصدقاء، حتّى إنّهم أقلّ عرضة للمرض من غيرهم.

عدم اعتبار الذّات يجعلك تشعر بأنّك:

-       غير محبوب، وغير مقبول من الآخرين، تشعر بالوحدة، وتسعى لإرضاء الآخرين لكي يقبلك الأفراد و الجماعة.

-       غير قادر، لا تثق بنفسك و لا بقدراتك، ولا تجرّب أشياء جديدة مخافة الفشل، وتستسلم بسهولة عند أوّل عائق.

-       غير فعّال، تسخر من قدراتك ، وتشعر بانعدام قيمتك وتأثيرك، كما ترفض الإطراء لأنّك مقتنع بأنّك لا تستحقّه، وتلوم الآخرين على فشلك، وتعتبرهم أفضل منك، لا بل تشعر بأنّك حسّاس وسهل التأثّر بهم، كما تشعر بأنّ كلّ الملاحظات موجّهة إليك شخصيًّا، ولا تعّبر عن شعورك بحرّيّة.

-       غير مُنتج، تتقاعس في عملك، وتتجنّب المواقف الّتي تسبّب القلق، وتُفضّل ألاّ تعرض خدماتك مخافة اكتشاف الآخرين لعدم كفاءتك.

إنّ هذا النّوع من الشّعور يطال، في بعض الأحيان، كلّ إنسان، ولكنّ المهمّ ألاّ يصبح هذا الشّعور جزءًا من نموذج حياتك اليوميّة، وإلاّ سيكون نصيبك الفشل و التّعاسة.

اعتبار الذّات، من أين يأتي؟

المصدر الأوّل لاعتبار الذّات هو الأشخاص المهمّون في حياتك

الأهل، الأقارب، المعلّمون، الأصحاب وحتىّ الجيران، هؤلاء الأشخاص يمكنهم أن يساهموا في تفعيل اعتبارك لنفسك بإظهار المحبّة، والقبول، والاحترام، والدّعم، والتّشجيع والتّقدير. عدم إظهار هذه الصّفات من قِبَل هؤلاء يسبّب شعورًا بعدم اعتبار الذّات، ويجعل ثقتنا بأنفسنا متزعزعة. ينظر الأولاد والمراهقون عادةً إلى أنفسهم من منظار والديهم، فإذا آمن الأهل بقدرات أولادهم، فسينتقل هذا الإيمان إلى أولادهم. ويرتكب الوالدون الخطأ إذ يتوقّعون من أولادهم أن يتخطّوا طاقاتهم وقدراتهم، وأن يبرعوا في ما ليسوا قادرين عليه، إن في الرّياضة أو الفنون أو الحساب أو غيره. هؤلاء الأهل سيتسبّبون بفقدان ثقة أولادهم بأنفسهم، وبالتّالي الشّعور بعدم اعتبارهم لذواتهم.

المصدر الثّاني لاعتبار الذّات هو ذواتنا

-       شكلنا الخارجيّ: قد يعتبرنا بعض النّاس ذوي جمال، وهي صفة يُقدّرها الملايين من البشر.

-       شخصيّتنا: قد نملك شخصيّة جذّابة، مرحة أو ذكيّة. وقد نُعرف بخلقنا الكريم وروح الخدمة، وهي صفات تلقى تقدير المجتمع.

-       عائلتنا: قد تكون عائلتنا معروفة أو مهمّة ومقتدرة ماديًّا، أو ذات تراث معروف، ممّا يُشعرنا بالأهمّيّة.

-       هواياتنا: قد نمارس هواية تلفت الانتباه، أو نبرع في مجال الرّياضة، الرّسم، العزف، المعلومات أو الكومبيوتر، ممّا يُشعرنا بالتّميّز.

-       مواهبنا: في كثير من الأحيان، نكتشف طاقة في ذواتنا تُشعرنا بالأهمّيّة عندما نستخدمها، كالغناء، العزف، حلّ المعضلات الصّعبة، تركيب مجسّمات، وغيرها.

لكن، لنحذر إذ إنّ جميع هذه الصّفات ليست ثابتة، فقد نتعرّض لمرض أو لحادث يغيّر شكلنا الخارجيّ، وقد لا نتابع ممارسة هواياتنا لانشغالنا في الحياة العمليّة، كما قد نخسر موهبتنا لسبب من الأسباب، حتّى شخصيّتنا هي عرضة للتّغيّر من جرّاء ظروف الحياة؛ أمّا عائلتنا، فقد تخسر صيتها من جرّاء فضيحة ما، أو قد ُتبلى بخسارة مادّيّة. في ظلّ هذه الأحوال المتزعزعة، ما الّذي يُبقي اعتبارنا لذواتنا؟

 

المصدر الثّالث والأساسيّ لاعتبار الذّات هو الله

-       الله قصد أن يخلقنا على صورته ومثاله، وهو عرفنا قبل أن نولد: "قَبْلَما صَوَّرتُك في البَطن عَرَفتُك" (إرميا 1: 5). 

-       الله جعل كلاًّ منّا مميّزًا، وأعطانا طاقات وقدرات لنمجّده فيها: "وجابِلُكَ من البَطن" (إشعياء 44: 24).

-       الله يقدّر كلّ واحد منّا ويريدنا أن نتمتّع بالحياة: "وأمّا أنا فقَد أَتَيت لتَكونَ لَهُم حياةٌ وليَكونَ لَهُم أَفضَل" (يوحنّا 10:  10).

-       الله يحبّ كلّ واحد منّا محبّة أبديّة على الرّغم من ضعفنا وخطأنا: "مَحَبَّة أبَديَّة أحْبَبتُكِ، من أجلِ ذلِكَ أَدَمْتُ لكِ الرَّحمَة" (إرميا 31: 3). 

-       الله يريد أن يجعلنا أبناء وبنات له، وأن يعطينا حياة أبديّة: "لأنّه هكذا أحبَّ الله العالَم حتَّى بَذَل ابنَهُ الوَحيد، لِكَي لا يَهلِك كلُّ مَن يُؤمِن بِه، بَل تَكونُ له الحياةُ الأبديَّة" (يوحنّا 3: 16). 

إذا نظرنا إلى أنفسنا مثلما نظر يسوع إلى زكّا العشّار أو المرأة الزّانية أو المرأة على البئر، حتمًا سنرى أنفسنا ذوي قيمة،  فقد أحبّنا الرّبّ على الرّغم من خطايانا، وقدّم لنا خلاصًا مجّانيًّا من الخطيّة بموته على الصّليب. وبقيامته ضمن لنا حياة أبديّة، وبصعوده إلى السّماء أكّد لنا العون والدّعم والبركات إن سِرنا في طريقه.

ولنثق بأنّ معرفة قيمتنا الشّخصيّة عند الله وتَمسُّكِنا بقِيَمِه الدّينيّة، هما الشّيئان الأكثر أهميّة الّلذان سيحمياننا من الانزلاق إلى الشّعور السّلبيّ، ويردّان لنا اعتبارنا لذواتنا. انظر إلى نفسك من منظار يسوع، فإنّ قيمتك الحقيقيّة تنبع من هناك.

بعض النّصائح لتقوية اعتبارك لذاتك

-       اعرف أنّ قيمتك لا تُحدّ ولا تُقاس بنجاحك الأكاديميّ.

-       اكتشف نفسك واعرف نواحي القوّة والضّعف فيك.

-       شدّد على نواحي القوّة في شخصيّتك، وقلّل من التّركيز على ضعفاتك.

-       تعلّم مهارات مهمّة كآداب المائدة، وحسن التّصرّف، واللّياقة، وغيرها ممّا يزيد من ثقتك بنفسك.

-       اقرأ لتصبح ذا ثقافة عالية.

-       لا تهزأ بنفسك أو تُعرِّض نفسك للسّخرية أو تحطّ من قدرك أمام النّاس.

-       احترم الجميع لكي يبادلوك الاحترام.

-       تجنّب الاتّكاليّة وقدّم المساعدة حين ترى حاجة الآخرين.

-       نَمِّ فيك المبادئ الّتي تدوم، كالمحبّة واللّطف والنّزاهة والصّدق والثّقة ومحبّة الله والتّكريس له.

-       كن صديقًا وفيًّا، وأحِط نفسك بأناس ذوي خلق سليم لأنّ العِشرة الرّديئة تُفسِد الأخلاق الجيّدة.

من حقّ كلّ إنسان أن يرفع رأسه، ليس بالكبرياء أو التّعالي، بل بثقة وأمان لأنّ هذا ما يريده الله لنا كأولاد له.