الأمانة المهنية

الكاتب:

تندر الأمانة في أيامنا، ويتسم عصرنا بالخيانة. في اللغة، كما في الإيمان المسيحي، تأتي كلمتي الأمانة والإيمان من نفس الجذر. لا يمكن لإنسان أن يكون مؤمنًا دون أن يكون أمينًا والعكس صحيح. فالمؤمن والأمين هما وجهان لعُملة واحدة.

تعاني الأعمال والمؤسسات الخاصة والعامة من قلّة الأمانة الوظيفيّة هذا إذا لم نقل انعدامها لدى عدد بارز من العمال والموظفين والمدراء. ومجالات عدم الأمانة كثيرة. وأوّل ما يلفت نظرنا هو عدم الأمانة تجاه الدوام والإنتاجيّة. فكثيرًا ما يُستخدم الوقت المخصّص للعمل للزيارات وللتسكّع ولشرب القهوة ولقراءة الجرائد في المكاتب وللتسلية على الإنترنت (أو لمشاهدة الأفلام الإباحية) أو للتلفونات الشخصيّة المطوّلة أو حتى لإتمام الدروس وطباعة الفروض الجامعية طلبًا لشهادة عالية تزيد المعاش أو حتى للتفتيش عن عمل آخر وذلك على حساب الوظيفة! وهناك من يستخدم وقت المؤسسة وهاتفها للقيام بإتصالات داخلية ودولية تخدم أعمالاً خاصة أو لإتمام صفقات تجارية بهدف الربح الشخصي... هذه كلّها تؤول لعدم انجاز المهمات المطلوبة ولانخفاض الإنتاجية المتوقعة.

وهناك عدم الأمانة تجاه المال وال Petty Cash والفواتير والمدفوعات والمشتريات. حيث أن الغش والكومسيون والرشوة والإختلاس والسرقة والهدر والتحايل في لغم الفواتير أو الحصول على حسومات عند شراء السلع تعتبر شطارة وذكاء وحقّ! ويُضاف إلى هذه عدم تحمّل المسؤوليّة تجاه جودة الإنتاج أو تجاه المنتجات التي يُمكن أن تفسد لعدم الإهتمام بها، فتُشكّل خسارة على صاحب رأس المال. وهناك أيضًا بيع المواد المنتهية الصلاحية بدل التخلّص منها. كل هذه تُرينا طمع بالمال بهدف جنيه بأي طريقة كانت، حتى ولو كانت "حرام"!

ولا ننسى استغلال الموظفين الكبار لمن هم أدنى منهم رتبة أو لمن هم أضعف منهم شخصية. فغالبًا ما يستخدم الذين هم في رتبة أعلى من هم أقل منهم رتبة في القيام بأعمال تخدم مواقعهم ومناصبهم ومكافآتهم المعنوية والمادية وذلك دون ذكر فضل أو مساهمات الذي تعب فعليًّا. وهكذا "يؤكل حقّ" الموظف أو العامل المُستغَل! أليست هذه جريمة استغلال بشعة؟ وهناك عدم الأمانة تجاه المؤسسة من خلال تسريب أسرار المؤسسة الحسابية أو التجارية أو المصرفية أو التصنيعية والمهنيّة والشخصيّة لمنافسيها وذلك بهدف ضربها أو الإنتقام من أصحابها أو بهدف ربح خارجي قبيح! أليست هذه خيانة بالمعنى الصريح للكلمة؟

لا ينتهي تعداد مجالات عدم الأمانة الوظيفية أو المهنية. أما المؤسف أن قليلين يُصنّفونها كخطيّة أو يتعبهم ضميرهم بسببها. أما الكتاب المقدس فيؤكّد أن الله يعتبر أن أصغر أنواع إساءة الأمانة هي خطية كبرى يُحاسب عليها (لو 16: 2). المؤمن المسيحي الحريص على إرضاء سيّده يكون أمينًا على المواهب والوزنات والوقت والمال والعمل الموضوع بين يديه. إنه يعرف تعليم الكتاب المقدس ويلتزم به: "ثم يُسأل في الوكلاء لكي يوجد الإنسان أمينًا" (1كو 4: 2). أما الرجل الأمين فلا يخاف على غده ولا يُسيء الأمانة لتحصيل المزيد، بل يتكل على وعد الرّب القائل: "نعمًّا أيها العبد الصالح والأمين كنت أميناً في القليل فأقيمك على الكثير أدخل إلى فرح سيدك" (متى 25: 21). التاريخ يؤكد صحة القاعدة التالية: "الرجل الأمين كثير البركات" (أم 28: 20).

العدد:
السنة:
الشهر: