الإنجيليون في صميم النهضة العربية الحديثة

الكاتب:

عصر النهضة هو العصر الذي بدأ فيه العرب ينهضون مما كانوا عليه في عصور الإنحطاط من فقر وجهل وتأخر شمل كلّ ميادين العيش والحياة. وتُعَدّ حملة نابوليون بونابرت إلى مصر سنة 1798 أبرز حدث سياسي شكّل منطلقاً لمرافقة ومساعدة حركة النهضة العامة على الإنبعاث بشتى جوانبها الأدبيّة والإجتماعيّة والسياسيّة والاقتصاديّة والفكريّة.

فتح الاستقلال الإداري للبنان عن الإدارة العثمانية المركزية في الأستانة، منذ عهد الأمير فخر الدين المعني الكبير (1590 – 1635)، الباب واسعاً أمام النشاط التربوي الذي بدأته الإرساليّات الغربية الكاثوليكية منذ القرن السابع عشر والبروتستانتيّة منذ أوائل القرن التاسع عشر؛ وهو النشاط الذي أدى إلى إحياء التراث العربي اللغوي والأدبي من جهة وإلى دخول التيارات الفكريّة والعلميّة والتربويّة الوافدة من الغرب من جهة ثانية.

إستهل المعلم بطرس البستاني وإبنه سليم بصورة عامة الحركة الفكريّة العصريّة في أواسط القرن التاسع عشر فكانت الدعوة إلى التوفيق بين الدين والعلم بوصفه من الشروط الضرورية للتقدم، وإلى الفصل بين الدين والدولة كشرط لازم للوحدة الوطنية.

وكان البستانيّان على صلة وثيقة برائد من رواد العلم والطب في تلك الحقبة هو كرنيليوس فان دايك (1818 – 1895) الأميركي المولد، اللبناني النشأة. فقد أطلق هذا العالم الفكر العلميّ من سباته العميق ونشر بالعربية بين سنة 1851 و1895 مجموعة من المؤلفات العلمية الطبية التي لم يكن لها نظير في العربية منذ وفاة إبن سينا عام 1037.

                               مساهمة الإنجيليّين الرائدة في عوامل النهضة

المدارس والجامعات

يؤمن الإنجيليون بتلازم الكنيسة والمدرسة لأن "الكنيسة لن تحيا بدون المدرسة"؛ فعملوا على إنشاء المدارس لتلقين الناس القراءة والكتابة فيتعرفوا على الأخبار السارة التي يتضمّنها الإنجيل.

بعد أحداث 1840، عاود الإنجيليون نشاطهم التربوي فأنشاوأ في 1843 مدرسة في عبيه من أهم أساتذتها المعلم بطرس البستاني وتلتها مدرسة في سوق الغرب ثم في صيدا وبعدها في طرابلس. وفي 1877 أسست جمعية الأصدقاء (الكويكرز) مدرسة في برمانا معروفة اليوم بإسم "مدرسة برمانا العالية".

في تلك الأثناء (في العام 1863) أنشأ المعلم بطرس البستاني المدرسة الوطنية في بيروت فاكتسبت شهرة واسعة بمساعيه وبمساعي ابنه سليم.

وساهم الإنجيليون من خلال إنشاء الجامعات في النهضة الثقافية والحضارية في المجتمعات التي انتشروا فيها.

ففي العام 1866 أسسوا "الكلية السوريّة الإنجيليّة" التي تحوّلت بدءاً من العام 1920 إلى "الجامعة الأميركيّة في بيروت"؛ بيد أن النشاط التربويّ للإنجيليّين كان قد بدأ مع إنشاء أول مدرسة للإناث في بيروت سنة 1835 دعيتAmerican School for Girls  والتي شكّلت نواة للجامعة المعروفة اليوم بإسم LAU "الجامعة اللبنانية الأميركية".

وللإنجيليين اليوم أربع جامعات معترف بها في لبنان والخارج وهي، إضافة إلى الجامعتين المذكورتين أعلاه، "جامعة هايكازيان" و "جامعة الشرق الأوسط".

المطبعة الأميركانية في بيروت

نقل المرسلون الإنجيليون الأميركيون، في 1834، إلى بيروت جزءاً من مطبعتهم التي أُسست في مالطا في العام 1822. وكانت المطبعة الأولى التي تأسست في بيروت في العام 1751 قد توقفت بوفاة مؤسسها في 1834، فباشرت المطبعة الأميركانية نشاطها الطباعي وطبعت الكتاب المقدس باللغات العربيّة والتركيّة والأرمنيّة والعبريّة واليونانيّة والكرديّة والإسبانيّة، كما أطلقت الحرف المشكول وكان لها دور هام في تلبية حاجة المدارس من الكتب.

 

الصحافة

أنشأ المرسلون الأميركيون في 1851 في بيروت مجلة سنوية أطلقوا عليها إسم "مجموع فوائد" وجاءت بمثابة باكورة المجلات الصادرة باللغة العربية وأقدمها عهداً، فكانت مصدر تقويم الشهور الشمسيّة والقمريّة وتدور أبحاثها حول الشؤون الدينيّة والعلميّة، واستمرت في الصدور حتى 1855 .

وبعد جريدة "حديقة الأخبار" التي أصدرها خليل الخوري مطلع العام 1858، أصدر المعلم بطرس البستاني في بيروت جريدة "نفير سوريا" عام 1860 وكانت تدعو إلى الوحدة الوطنيّة إثر مذابح 1860 الطائفيّة.

وفي عام 1870 أصدر المعلم بطرس البستاني أول مجلة أدبية حملت إسم "الجنان" اهتمّت بفن القصة وكانت تصدر مرتين في الشهر وشعارها "حب الوطن من الإيمان". ولاقت شهرة في كلّ الأقطار العربية نظراً لذيوع شهرة صاحبها وتأليفه قاموس "محيط المحيط" وهو أول قاموس يوضع في شرح المفردات العربية، وله "دائرة المعارف" وهي أول موسوعة معرفية عربية.

ومن اولى المجلات العربية أيضا "النشرة" (1863) ولا تزال تصدر إلى اليوم عن السينودس الإنجيلي المشيخي الوطني في سوريا ولبنان و "كوكب الصبح المنير" (1871).

وارتبطت الصحافة العربية المصورة بالمرسلين الأميركيين فكانت أول جريدة عربية مصورة هي "أخبار عن إنتشار الإنجيل في أماكن مختلفة" وقد صدرت في 1863 في بيروت.

ومن المجلات العلمية المتخصصة مجلة "الطبيب" وصاحب إمتيازها المرسل الأميركي وعالم النبات الدكتور جورج بوست، وقد أُسندت إدارتها في 1844 إلى الشيخ ابراهيم ناصيف اليازجي والدكتورين بشارة زلزل وخليل سعاده.

وفي عام 1876 أسس يعقوب صروف و فارس نمر و شاهين مكاريوس مجلة "المقتطف" الشهرية ثم نقلوها إلى القاهرة فكانت من أهم المطبوعات في تاريخ الثقافة العربية التي تناولت العلم وظواهر الكون والصناعة والزراعة وقد صدر منها واحد وسبعون مجلدا تعتبر في مجموعها موسوعة علمية متكاملة.

أولى البعثات العلمية

ترافق عصر النهضة مع إرسال البعثات العلمية إلى الخارج طلبا للعلوم من مصادرها. وكان المرسلون الأميركيون السبّاقين في ذلك إذ أرسلوا إلى لندن أنطونيوس الأميوني و عبدالله العازار و إسماعيل جنبلاط.

الجمعيات العلمية والأدبية

هدفت هذه الجمعيات إلى نشر العلوم والفنون بين أبناء العربية، وقد مهدت الطريق أمام الفكر التنويري لتعزيز النهضة العربية. وأبصرت أولى هذه الجمعيات النور في سنة 1847 وعرفت بإسم "الجمعية السورية" وقد ضمت عدداً من المفكرين والعلماء أمثال بطرس البستاني و كرنيليوس فان دايك ووليم طومسون وناصيف اليازجي وعالي سميث وأنطونيوس الأميوني ونعمه يافث ويوسف كتفاكو وميخائيل فرج وشكرالله خوري وميخائيل مشاقة ويوحنا ورتبات وابراهيم طراد وشكرالله خوري وميخائيل مدوّر وسواهم وانتخبت المعلم بطرس البستاني مقرراً لها وعضواً من أعضاء عمدتها، وقد حدد دستور هذه الجمعية أهدافها الكبرى بثلاثة:

1-    إستفادة أعضائها من العلوم والفنون عن طريق المناقشات والدراسات والخطب.

2-    جمع الكتب والصحائف، خصوصاً ما كان منها باللغة العربية وكان نافعاً لأعضاء الجمعية.

3-    إنهاض الرغبة عموماً لاكتساب العلوم والفوائد، مجردة عن المسائل الخلافية في الأديان والأحكام، فإنها لا تتعلق بهذه الجمعية.

إعتنى المعلم بطرس البستاني بأعمال الجمعية فأصدر في عام 1852 "أعمال الجمعية السورية" الذي ضمنه مبادئ الجمعية وتاريخ نشوئها وأسماء مؤسسيها ومسؤوليها وبعض الخطب الهامة العلمية والأدبية التي ألقيت في اجتماعاتها. وقد أجمع المؤرخون على أن "الجمعية السورية" تعتبر "في أساس المجامع العلمية السورية التي جاءت بعدها" و"الأولى من نوعها في بلاد الشام، بل في أية بقعة أخرى من العالم العربي".

ترجمة الكتاب المقدس إلى اللغة العربية بما يتناسب وحركة النهضة الأدبية

هذه الترجمة هي وليدة العمل الإرسالي الإنجيلي للعالم العربي. سبقها الكثير من الترجمات، لكنها لم تفِ بالغرض بسبب ضعفها وركاكتها، كما أن حركة النهضة الأدبيّة حتمت وجود ترجمة جديدة فانبرى لهذه الغاية إبتداء من العام 1847 الدكتور عالي سميث والدكتور كرنيليوس فان دايك والمعلم بطرس البستاني والشيخ ناصيف اليازجي والشيخ يوسف الأسير وغيرهم.

شرع الدكتور سميث والمعلم بطرس البستاني بالترجمة من الأصل العبري والآرامي واليوناني إلى العربية بعناية وتدقيق، وكان الشيخ ناصيف اليازجي نحويّاً قديراً ومرجعاً في ضبط الأسلوب.

ليس هذا فحسب، بل كانت النسخ المترجمة ترسل إلى كبار العلماء وكذلك إلى الأشخاص العاديين للإشارة إلى أية ملاحظة قبل أن ترسل النسخ الأخيرة للطبع. وبموت الدكتور سميث المبكر عام 1857 اختير الدكتور فان دايك بديلاً منه فسار على نهج سلفه واستعان بالشيخ يوسف الأسير لبلاغته فكان يضبط الترجمة لغوياً.

انتهى طبع الكتاب المقدس بكامله في 29 آذار 1865 إلا أن الدكتور فان دايك ظل يراجع الترجمة وينقّحها وداوم على ذلك حتى وفاته، لذلك عرفت هذه الترجمة في البداية بـ "ترجمة فان دايك"، من ثم أطلقت عليها تسميات عدة منها "ترجمة سميث – فان دايك" و "ترجمة فان دايك – البستاني" وأحيانا "ترجمة البستاني – فان دايك" و "ترجمة البستاني – سميث – فان دايك" وفي مصر يسمونها "الترجمة البيروتية".

تمتاز هذه الترجمة بالدقة والأمانة وقد لاقت رواجا كبيراً لم تبلغه أي ترجمة عربية أخرى وتستعملها كنائس متعددة. وأقيم احتفال كبير بعد الانتهاء من طبع الكتاب المقدس ونظم المعلم ابراهيم سركيس في المناسبة ترنيمة بعنوان "لـله يوم مستطاب" والتي تقول:

للـه يوم مستطاب                              فلتبتهج كل الشعوب

فيه انتهى طبع الكتاب                          فلينطبع ضمن القلوب

قوموا إذا ورنموا                               لمن حبانا ذا الكتاب

وعظموا وسبحوا                                للرب بارينا المهاب

فلنشكر من ترجمه                              وقاسى كل التعب

ومن سعى في طبعه                             من مشرق أو مغرب

لقد كانت للإنجيليين مساهمة فعالة في إنعاش الحياة الفكرية والثقافية مع بدء النهضة العربية الحديثة، وهم اليوم يكملون رسالتهم الروحية والزمنية بأمانة وإخلاص لله وللوطن.

العدد:
السنة:
الشهر: