الإيمان المسيحيّ والتفكير النقدي

العدد:
السنة:

تكثر الأفكار من حولنا وغالباً ما يختلط الرأي الخاص والعاطفة بالحقائق فينتج عنها معلومات مضلّلة تنتشر بالأخبار وبالصحف والمواقع الالكترونيّة ونحن أيضًا ننشرها في أحاديثنا اليومية. وقد تُسبّب الأوهام والخرافات التي تخدعنا دمارنا. فنسأل ما السبيل إلى معرفة الحقيقة وكيف لنا أن نفصلها عمّا علق بها من إضافات. وهنا يأتي دورنا في محاولة النظر بتلك الأمور بحياديّة وبموضوعيّة وبتفكير نقدي.

التفكير النقدي. ما هو؟

لم يعد التلقين الطريقة الوحيدة المتّبعة في التعليم في أيامنا هذه. وإحدى أهم المهارات التي يفترض أن يتدرّب عليها الطالب ويتّقنها هي مهارة التفكير النقدي (Critical Thinking) وترتبط ارتباطًا وثيقًا بالاستقلالية الفكريّة. ويمكن تعريفه ببساطة بأنه عملية إيجاد قناعات شخصيّة من خلال التحليل والمقارنة والتفسير والتّقييم حيال حالة ما والخروج باستنتاج ما أو بحكم ما. وهو وإن ولد معنا، علينا أن نطوّره بأنفسنا ضمن الأطر الصحيحة.

الخرافة في مواجهة العقل

ترتبط الخرافة مع الجهل، فحين يزداد الجهل تزداد الخرافة ويزداد معها تسلّط مروّجي الخرافة على تابعيهم. والخرافة بتعريفها هي عدم التفكير العلمي فهي لا تُبنى على مبادئ منطقيّة يقبلها العقل البشري ولا تخضع للقياس العلمي. فهي من نسج الخيال ولا تمت إلى الحقيقة بصلة. من هنا الحاجة إلى تنشئة الإنسان ليكون لديه القدرة على التفكير السليم. فإن تنمية العقل يجب أن تعني لا مجرد الحصول على المعلومات وحسب وإنما الحصول على العادات العقليّة والفكريّة الصحيحة. فالله أعطى عقل الانسان قدرة جبارة تحتاج إلى التدريب والتنمية والتهذيب.

كيف أؤمن إن لم أفهم؟

في سفر أعمال الرسل رواية شيّقة عن لقاء الرسول فيليبس بوزير الحبشة وهو عائد من أورشليم إلى بلاده. فبادر إليه فيلبس عندما سمعه يقرأ مقطعًا من سفر أشعياء النبي، فسأله "ألعلك تفهم ما أنت تقرأ"، فأجاب الوزير الحبشي بتواضع: "كيف يمكنني إن لم يرشدني أحد". وترجّى فيلبس أن يصعد ويجلس معه وطلب منه أن يفسّر له ما كان يقرأه. فشرع فيلبس من هذه الفقرة يبشّره بيسوع المسيح. يلفت إنتباهنا في هذه الرواية العلاقة الوثيقة بين الفهم والإيمان إذ يبدو الفهم والتفسير وإدراك المعنى مدخلاً إلى معرفة المسيح وإلإيمان به.

وهذا ما يدفعنا إلى إعادة طرح السؤال: هل الايمان بحاجة إلى فهم؟ أليس هو بالتعريف قبول ما لا يستطيع العقل فهمه وتسليم بما يعجز الفهم عن إدراكه؟ قال أحدهم تتزايد في زمننا الأصوات التي تؤكد استغناء المؤمن عن الحاجة إلى الفهم. بعضها من باب الدعوة إلى البساطة وعدم تعقيد أمور الايمان وفلسفتها وبعضها من باب الاتكال على أولوية العجائب في دعم الايمان وإنعاشه. والعجائب بطبيعتها عصيّة على الفهم. والبعض الآخر من باب الاكتفاء بحسن الأخلاق والسلوك بكونه التعبير الأمثل عن الإيمان دونما حاجة إلى التفكير. بالاضافة إلى الصعوبة عند البعض تقبّل التفاعل الحاصل بين العلوم والدين الذي قد يؤدي إلى تغيير جذري في النظر إلى الحقائق الإيمانية.

أثر الفهم على الإيمان والعمل

الله هو الذي وضع في قلب الانسان الرغبة في معرفة الحقيقة. فالانسان يسأل عن معنى الاشياء ومعنى وجوده بالذات أسئلة عميقة تطبع مسيرة الوجود البشري بطابع مميّز. من أنا؟ من أين أتيت؟ لماذا وُجِدَ الشر؟ وماذا يعقب هذه الحياة؟ وتأتي الحاجة إلى التفتيش عن إجابات يقينيّة وفهم عميق والتوصّل إلى قناعات ثابتة. إن الفهم هو صلة الوصل بين ثنائية الايمان والعمل. فمن دون الفهم يبقى الايمان نظريًّا وبعيدًا عن الواقع وغير قادر على التأثير فيه. وإن لم ينتقل الايمان من مجرد واقع وراثي وفهم سطحي إلى قبول شخصي والتعمق بفهم كلمة الله المدونة بالاسفار المقدسة قد يؤدي إلى فقدانه كما هو الحال في الكثير من مجتمعاتنا الحالية.

الكنيسة ومجتمع المعرفة

رغم أن الدفاع عن مكانة العلم والمعرفة ينسجم مع الموقف الكلاسيكيّ للكنيسة والذي يعبّر عنه أغوسطينوس منذ القرن الرابع بمقولته المشهورة "أؤمن لأفهم وأفهم لأؤمن" إلا أنه تمّت في مجتمعنا العبرة القائلة "هلك شعبي من عدم المعرفة". فواقع الحال يقول أن ليس الجميع منكبّ على البحث وبنيان الإيمان على أساسات فكريّة سليمة. قال الرّبّ يسوع: "فتشوا الكتب لأنكم تظنون أن لكم فيها حياة أبدية وهي التي تشهد لي". وهنا دور الكنيسة في النهوض وحثّ المؤمنين على التفتيش عن الحقائق في الكتاب المقدس كما كانت العادة في أيّام الرسل. إن مجتمعنا اليوم هو مجتمع معرفة وعلم وفهم وتقدّم، ولا تستطيع الكنيسة أن تتغافل عن الإجابة على الاسئلة العميقة التي يطرحها الشباب والتي تحتاج للبحث الجدي وللخروج بالاستنتاجات الصحيحة والبناءة وذلك ضمن آليّات التفكير السليم والمتواضع والمنسجم مع الإعلان الالهي المدوّن في الأسفار.