الانتصار بالمسيح

الموضوع:
العدد:
السنة:

"وَلكِنْ شُكْرًا ِللهِ الَّذِي يَقُودُنَا فِي مَوْكِبِ نُصْرَتِهِ فِي الْمَسِيحِ كُلَّ حِينٍ" (بولس الرسول)

تتغنّى المسيحية بالانتصار بالمسيح، وهذا ليس شعاراً بل واقعاً إما أن يكون في حياتنا وإما لا نعرفه ابدأ. ويعني ألا نعرف الانتصار بالمسيح أننا مهزومون. والهزيمة سيئة بآثارها والانتصار عظيم في مفاعيله. أما يسوع فلم يكن مهزوماً أبداً بل منتصراً. فهو انتصر على إبليس في جبل التجربة. وانتصر عليه في الناصرة إذ لم يسمح له أن يلقيه عن الجرف. وانتصر عليه في جثيماني فلم يرفض الكأس. وانتصر على إبليس في موته على الصليب. والصليب ليس علامة هزيمة مع المسيح، بل إنه علامة انتصار مدوٍ. دم المسيح أيضا علامة انتصار. هناك قوة بدم المسيح. هذا الدم يعذب الشيطان ويكسر الأغلال ويطلقنا أحراراً. نعم، يا لها من قوة سمت بدماء الحمل! ذنوبي كلها امحت بدماء الحمل! وانتصر المسيح بدخوله الأمجاد ليقف أمام الآب أو عن يمينه لأجلنا و"وجد فداء أبدياً." والمسيح انتصر على إبليس بقيامته من الأموات. وسينتصر عليه عند رجوعه. نقرأ عنه: "جرّد الرياسات والسلاطين أشهرهم جهارا ظافراً بهم فيه". الانتصار تحقّق بوضعه نفسه وبأخذها وبإعطائه حياته لنا. هذا عمل كامل وناجح وفعال.

نصر حقيقي لا شكّ فيه

أما نحن فنقول إننا منتصرون بيسوع. هل إننا نعرف الانتصار الحق أم نكتفي بمجرّد شعار النصر؟ الانتصار يصير واقعاً عند ركوبنا في موكب نصرة المسيح في كلّ لحظة. وإذ أقرأ عن موكب نصرة المسيح، أقول: لا تخافوا فهناك متسع من المكان للجميع فيه. وهو يتسع للكثيرين. لا يريدنا الرب مهزومين ومنكسرين ومستضعفين أمام الخطية أو أمام أعدائنا أو شهواتنا أو أمام ابليس أو أمام ظروف الحياة والموت والكبرياء والجهالة والفخر ومحبة المال والدنيويات وما أشبه. هذه كلّها تكسرنا. فنحن آنية ضعيفة. لكن لدينا بيسوع فرصة لأن ننتصر في هذه كلّها في المسيح يسوع الذي افتدانا.

ننتصر بيسوع في دخولنا كل باب يفتحه لنا وعند كل نجاح نحققه في حياتنا. ونحن نختبر الانتصار بيسوع عند صمودنا أمام التجربة وعدم سقوطنا بها. ونختبر الانتصار عند نجاح بشارتنا. وعند اقتيادنا الناس أمام عرش التوبة. لكننا نختبر النصر أكثر عند انتصاراتنا الشخصية على ضعفنا وهزائمنا ومشاعرنا. لدينا كل ما يسمح لنا أبن نتنعم بالانتصار وبالفخر بيسوع. فيسوع شخصياً هو سبب انتصارنا وهو ناصرنا ونصرنا. "لأَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ مِنَ اللهِ يَغْلِبُ الْعَالَمَ. وَهَذِهِ هِيَ الْغَلَبَةُ الَّتِي تَغْلِبُ الْعَالَمَ: إِيمَانُنَا. مَنْ هُوَ الَّذِي يَغْلِبُ الْعَالَمَ، إِلاَّ الَّذِي يُؤْمِنُ أَنَّ يَسُوعَ هُوَ ابْنُ اللهِ؟".

لا داعي للخوف

قد نخاف الهزيمة بعد النصر. وقد نخاف من السقوط بعد النهوض من جديد. وأسأل: لِمَ هذا الخوف؟ ولم الشك؟ فنحن منتصرون دوماً بمعونة الرب. "كذلك الروح أيضا يعين ضعفنا. لأننا لسنا نعلم ما نصلّي لأجله كما ينبغي ولكن الروح نفسه يشفع فينا بأنّات لا ينطق بها". ونحن نحظى في هذا بمساندة من الرب الروح. فلسنا متروكين لوحدنا.  وهو لا يتركنا على الأرض عندما نسقط.

قد تشهد حياة البعض منا هزائم وسقطات وهفوات، لكنه لا داعي للنحيب ولا للفشل ولا لفقدان الأمل ولا للخوف من شماتة أحد. قال أحد الشيوخ السماويّين ليوحنا الحبيب: "لاَ تَبْكِ. هُوَذَا قَدْ غَلَبَ الأَسَدُ الَّذِي مِنْ سِبْطِ يَهُوذَا". وهكذا، عندما تزلّ قدمنا وننظر من حوالينا خجلاً ممّن يكون قد رآنا، سنقدر على القول بثقة: "لاَ تَشْمَتِي بِي يَا عَدُوَّتِي، إِذَا سَقَطْتُ أَقُومُ. إِذَا جَلَسْتُ فِي الظُّلْمَةِ فَالرَّبُّ نُورٌ لِي". صحيح أننا نسقط، لكننا لا نبقى على الأرض! إن سقطنا نقوم، والرب هو من يقيمنا ويجلسنا معه ومع أشراف شعبه في الموقع المرتفع، لا بلّ في كرسيّ المجد. هذا انتصار لا يعرفه العالم لأنه لا يعرف المسيح ليكون له. فربّ المجد لنا يحرسنا ويحفظنا وينصرنا ويعطينا من عنده الانتصار الروحي والنفسي والأخلاقي والأكاليل المجيدة والمقام الرفيع. لإلهنا كل المجد في جميع قديسيه. آمين.

غلبة أبدية

أما الغلبة بالمسيح فليست وقتية بل لها مفاعيل أبدية. نحن غالبون هنا وهناك، الآن وفي الأبدية. ولن يكون انتصارنا وقتيًّا. بل سيكون انتصاراً أبدياً، "مَنْ لَهُ أُذُنٌ فَلْيَسْمَعْ مَا يَقُولُهُ الرُّوحُ لِلْكَنَائِسِ. مَنْ يَغْلِبُ فَلاَ يُؤْذِيهِ الْمَوْتُ الثَّانِي". وسيُقدّم المسيح الغالبين به الذين اعترفوا باسمه في العالم للآب السماوي. "مَنْ يَغْلِبُ فَذلِكَ سَيَلْبَسُ ثِيَابًا بِيضًا، وَلَنْ أَمْحُوَ اسْمَهُ مِنْ سِفْرِ الْحَيَاةِ، وَسَأَعْتَرِفُ بِاسْمِهِ أَمَامَ أَبِي وَأَمَامَ مَلاَئِكَتِهِ". وسيعطي الرب الغالبين مقاماً مميزاً في هيكل السماء، "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأَجْعَلُهُ عَمُودًا فِي هَيْكَلِ إِلهِي، وَلاَ يَعُودُ يَخْرُجُ إِلَى خَارِجٍ، وَأَكْتُبُ عَلَيْهِ اسْمَ إِلهِي، وَاسْمَ مَدِينَةِ إِلهِي، أُورُشَلِيمَ الْجَدِيدَةِ النَّازِلَةِ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ عِنْدِ إِلهِي، وَاسْمِي الْجَدِيدَ." وإن تساءل المؤمن أين سيكون في السماء، يُجيبه المسيح أنه يجعله معه في العرش. نعم في العرش المخصّص للابن. هناك يجلس، ليس على سبيل التكريم لمرّة واحدة، بل يجلس عليه دائمًا: "مَنْ يَغْلِبُ فَسَأُعْطِيهِ أَنْ يَجْلِسَ مَعِي فِي عَرْشِي، كَمَا غَلَبْتُ أَنَا أَيْضًا وَجَلَسْتُ مَعَ أَبِي فِي عَرْشِهِ.". والأهم أن المسيح يعتبر الغالبين به شركاءه في الميراث الأبدي: "مَنْ يَغْلِبْ يَرِثْ كُلَّ شَيْءٍ، وَأَكُونُ لَهُ إِلهًا وَهُوَ يَكُونُ لِيَ ابْنًا". يا لهذه الامتيازات لهؤلاء الغالبين في المسيح، فلا شيء يُشابهها في الحياة الأرضية.