التلقيح الاصطناعي القِيَم الأخلاقية والأبعاد الإجتماعية والكتابية

الكاتب:
العدد:
السنة:

تعدّدت المفاهيم والأطر الإجتماعية التي تُحدّد طبيعة الحَمْل والإنجاب في المجتمع المعاصر مع تطوّر التكنولوجيا وأساليب علاج العُقم. التلقيح الاصطناعي، أو ما يُعرف In Vitro Fertilization (IVF)، هو إجراء طبي يُساهم في الحدّ من العُقم إذ يستخدم تقنيات حديثة للمساعدة على الحَمْل وبالتالي إنجاب ما يُسمّى بطفل الأنبوب. كيف ينظر المجتمع إلى التقنيات الاصطناعية هذه وما هي القوانين الأخلاقية التي تتحكّم بها، وهل هناك دور للإيمان المسيحيّ في تنظيمها واستيعابها ضمن ثوابت الإيمان في المحافظة على قدسيّة الحياة وتنوّعها؟

طبيعة التلقيح الاصطناعي والتكنولوجيا الحديثة

          يؤكّد المركز الطبي الأمريكي أنه يوجد الملايين من النساء اللّواتي هنّ دون سن اليأس حول العالم ممّن يعانون من مشاكل العُقم. لإيجاد الحلول لتعقيدات العُقم الفيزيولوجية والنفسية والاجتماعية، تطوّرت أساليب التدخّل الطبيّة ومن أبرزها التلقيح الاصطناعي. تعتمد هذه التقنية على بيوتكنولوجيا استخراج البويضات وتلقيحها في المختبر، ثم إعادة الأجنّة إلى رحَم الأم وتثبيتها للحَمْل الطبيعي. وبما أنّ هذا الإجراء لا يُهدّد حياة المرأة، فإن شيوع هذه العملية يعكس نجاحها في خفض نِسَب العُقم ونتائجه السلبية.

النظرة الإجتماعية إلى التلقيح الاصطناعي: الأبعاد المسيحية والكتابية

          يُنظر إلى التلقيح الاصطناعي كأسلوبٍ حديث في معالجة العُقم. من الثابت بمكان أنّ الحياة تتكوّن عند التلقيح حيث يبدأ تكوين الجنين، لكن ما لا يُدركه الكثيرون هو أنّ هذه التقنية تُنتِج أيضًا عددًا من الأجنّة التي لم يتّم زرعها بعد التلقيح ويُهمَل معظمها ممّا يؤدي إلى إتلافها وموتها. لأولئك الذين يؤمنون بقدسية الحياة (تك 1: 26-27)، ينبغي الإشارة إلى بعض المفاهيم الروحية والقِيَم الإجتماعية التي تتحكّم بمدى قبول المجتمع الحديث والمحيط المسيحي بشكل خاص لأسلوب التلقيح الاصطناعي ومفاعيله النفسية والأخلاقية.

          هناك العديد من الخيارات في التعامُل مع الأجنّة التي لم يتم زرعها. أوّلًا: إعادة زرعها في رحم الأم خصوصًا بعد فشل عملية الزرع الأولى، أو في رحم أم بديلة تعاني من العُقم؛ ثانيًا: استخدامها في المختبرات لإجراء البحوث العلمية في مجال علوم الخلايا الجذعية لعلاج الأمراض؛ ثالثًا: إتلافها كموادٍ عضوية وعدم استخدامها لدواعٍ إنسانية. أرى أهمية فهم العلاقة الوثيقة بين عملية التلقيح الاصطناعي والنتائج البيولوجية والأخلاقية المترتّبة مما يُساهم في ضبط الاستغلال الناجم عن سوء النية أو عدم الجدارة العلمية. وإن كنا نحن كبشرٍ على صورة الله ومثاله، لكننا لا نملك أي سلطان في تحديد أطر الحياة والموت (تث 32: 39؛ 1 صم 1: 21).

نصائح عملية في كيفية التعامُل مع التلقيح الاصطناعي

عندما نُدرك قيمة الحياة التي أعطانا إياها الله، نتعامل بحكمة ومسؤولية مع هذه التقنيات الحديثة المعالِجة للعُقم في ضوء معرفتنا أنها قد تؤدي إلى إتلاف أجنّة حيّة. ما هي الحلول أو البدائل المتاحة أمامنا كمسيحيين والأطر التي من خلالها نتحكّم بهذه القرارات الهامّة المتعلّقة بالتلقيح الاصطناعي؟ أختصر بعض المبادئ العامة التي تساعد في الاستيعاب والتصرّف:

أولا: عدم التسرُّع في أخذ القرارات المصيرية مثل التلقيح الاصطناعي قبل أن نعطي الوقت الكافي لعملية الحَمْل الطبيعي أن تأخذ مجراها بعد الزواج (مز 139)، عندها نُدرك أهمية الصبر والانتظار (غلا 5: 22) إذ نرفع خوفنا وما يُقلقنا بروح الصلاة والخضوع لمشيئة الله (رو 12: 2). لا بدّ من وجود بدائل طبية مثل المقوّيات الهرمونية التي تساهم في تحفيز الجسم وتحضيره للحَمْل بشكل سليم، أو إجراء عمليات مخبرية لا تضرّ بالأجنّة ولا تتعارض مع القِيَم الأخلاقية والمسيحية.

ثانيًا: أهمية أخذ المشورة والنصح الاجتماعي والروحي وإيجاد الحلول الممكنة التي تنسجم مع المبادئ العلمية والأخلاقية العامّة والمعلَنة في الكلمة الإلهية (تك 9: 6؛ خر 20: 13).

ثالثًا: كيف ينظر الإنسان الذي يخاف الله إلى نتائج التلقيح الاصطناعي في حال النجاح أو الفشل؟ هل إمكانات التكنولوجيا الحيوية سبب نجاحها، أم نرى يد الله القدير تتحكّم في جميع تفاصيلها (تك 1: 28؛ 2: 24)؟

رابعًا: ما هي التّبِعات الأخلاقية والمعنوية المتعلِّقة بالتلقيح الاصطناعي وكيف نتعامل معها في حال فشل الإنجاب – ألا نخضع بالأولى لمشيئة الله ونُدرك أهمية الطاعة للإرشاد الإلهي؟ ذكرت صحيفة "نيويورك تايمز" حديثًا أنه يوجد صراع نفسي واجتماعي حاد حول كيفية التعامُل مع الأجنّة التي لم يتم زرعها، مما أحدث تغييرًا هامًا في نظرة المجتمع الداعية إلى الحفاظ على استمرارية الحياة وقدسيتها، وذلك انسجامًا مع المبدأ الكتابي في رفض الإهمال الطبي الذي يؤدي إلى إتلاف الحياة (خر 20: 13؛ مز 36: 9).

خامسًا: إن ضرورة تحكيم الإرادة المسيحية والضمير الواعي إنما يقودنا لمعرفة القرارات التي نتّخذها في إطار السلوك النابع من تقديرنا لنعمة الحياة. ذكر أحد الأخصّائيين في طب الغِدد الصمَّاء أنّ الكثيرين من الأزواج الذين يفكّرون جديًا بإجراء التلقيح الاصطناعي يدركون جيدًا المخاطر المرافقة ويعتقدون أنه لا يوجد جواب صريح حول كيفية التعامُل مع الأجنّة التي لا يتمُّ زرعها في رحم الأم. أعود وأشدّد على أهمية الإرشاد والتوعية (أم 22: 3).

          لا ندري بالتحديد أبعاد استخدام التقنيات الحديثة في علاج العُقم ومخاطرها – إن وُجِدت – على فيزيولوجيا جسم المرأة. إلا أننا نعلم يقينًا بتأثيراتها النفسية والاجتماعية التي غالبًا ما ترتبط بمدى نجاحها أو فشلها. إنّ التلقيح الاصطناعي إجراء طبي قد يكون تدخّلا ضروريًا إذا مورست الضوابط التي تمنع الاستغلال أو إهمال قدسية الحياة. ينبغي أن نتعامل بحكمة ووعي وبروح المسؤولية مع هذا الأمر آخذين بعين الاعتبار الأبعاد الأخلاقية وقصد الله السّامي في الحياة (رو 8: 28؛ 1 كو 6: 19؛ أف 5: 28).