التّبشير والتّربية الكنسيّة

الكاتب:
الموضوع:
العدد:
السنة:

الثّقافة لا تخلِّص النّاس لكنّهم لن يخلصوا بدونها. المعرفة هي من أهمّ دعائم الايمان المسيحيّ، يليها الثّقة والتّسليم والقبول. التّربية الكنسيّة مجهود منظَّم يهدف إلى تلمذة النّاس ليختبروا الخلاص ويتبعوا المسيح. تجنّدهم من ثمّ لعضويّة فاعلة في ملكوت الرّب، وتدرّيبهم للقيام بمسؤوليّاتهم الكنسيّة.

الخلاص بنعمة المسيح له أبعاد زمنيّة ثلاثة. بُعدٌ ماضي حيث يتحرّر الخاطئ التّائب من عقاب الخطيّة على أساس موت المسيح وقيامته. وبُعدٌ حاضر إذ يُعتَق المؤمن من قوّة الخطيّة بمعونة الرّوح القدس السّاكن في قلبه. وبُعدٌ مستقبليّ وهو الخلاص من حضور الخطيّة في الخلود مع المسيح. تلعب مؤسّسات الكنيسة التّربويّة، في هذه العمليّة المستمرّة، دورًا هامًّا وأساسيًّا. التّبشير الممنهج، في أسلوب الّثقافة المسيحيّة، يمهّد الطّريق ليتجدّد ذهن الإنسان ويتغيّر قلبه. وذلك بأن يثير فيه أزمة مصيريّة ووجوديّة ووجدانيّة ليّتخذ قرارًا جدّيًّا ليسلِّم حياته للمسيح.

المسيحيّة هي "ديانة الأزمة" كما يشدِّد أوتري في كتابه "أساس الخدمة التّبشيريّة". تحدث الأزمة لأن عمليّة التّجديد تُنزِل الشّيطان عن عرش الحياة ليحتلّه رئيس السّلام ويملك عليه. هنا يأتي دور التّدريب كعمليّة لا تنتهي، تبدأ قبل إختبار الخلاص وتستمرّ حتّى الموت، للتّحكّم بالصّراع الرّوحي الدّاخلي وذلك في نموٍّ متصاعد بالنّعمة ومعرفة المسيح. وجود مؤسّسات تربويّة في الكنيسة هو دليل حيّ على أنّها تهتمّ بالانسان ككلّ. كان الرّسول بولس يجاهد لينادي بالمسيح، مرشِدًا ومعلّمًا  كلّ إنسان، بكلّ حكمة، ليُقدِّمه إلى الله ناضجّا وكاملًا في المسيح. المقصود بالمؤسّسات التربوية كافّة الخدمات الكنسيّة من مدرسة الأحد واجنماع الشّبيبة واجتماعات العبادة ودرس الكلمة والخدمات الموسيقيّة وبرامج التّلمذة.

أوصى المسيح أتباعه بالقول، "فاذهبوا وتلمِذوا جميع الأمم وعمِّدوهم باسم الآب والابن والرّوح القدس. وعلِّموهم أن يحفظوا جميع ما أوصيتكم به". تشير المأموريّة العُظمى إلى الإرتباط الوثيق بين التّبشير والتّهذيب المسيحي. الكرازة بالإنجيل ليست مجرّد نقل أخبار سارّة عن المسيح وإظهار حجج دامغة عنه، بل تفسير وكشف الحقائق الرّوحيّة العظمى في برهان حيّ، أي عيشُ حياة تليق بالإنجيل.

التّشبه بالمسيح هو هدف التّبشير؛ أن يمتلك المبشِّر والمبشَّر صفات المسيح وأخلاقيّاته. هذا هو دور التّربية والتّدريب الّذي في برّ المسيح. النّعمة المخلِّصة هي أيضا نعمة معلِّمة. "لأنّه قد ظهرت نعمة الله المخلِّصَة لجميع الناس، معلِّمَة إيّانا أن ننكر الفجور والشهوات العالميّة ونعيش بالتعقّل والبرّ والتقوى في العالم الحاضر"(تي 2: 11-15). الكنيسة هي المؤسّسة الوحيدة والفريدة الّتي تدرِّب الانسان ليكون له دائمًا "ضمير بلا عثرة من نحو الله والنّاس". في تثقيفها له تُشبع جميع احتياجاته الرّوحيّة والنّفسيّة والإجتماعيّة والفكريّة. وتساعده ليحفظ "روحه ونفسه وجسده كاملة بلا لوم عند مجيئ ربّنا يسوع المسيح".