الحنين إلى ربح النّفوس

الكاتب:

إبان حياته الأرضيّة  طاف يسوع المدن والقرى "يتحنّن" على النّاس ملبّيا حاجاتهم. أشار الواعظ الانكليزي تشارلز سبرجن في شرحه لهذا التّعبير أنّ "قلب المسيح كاد ينفجر من عمق مشاعر العطف حين رأى بعينيه مآسي النّاس ومعاناتهم؛ امتلأت روحه رحمة وقلبه فاض شفقة". أوجزت هذه الكلمة الفريدة شخصيّة المسيح.

الحضارة اليونانيّة-الرومانيّة لم تُعنى كثيرًا بالأحاسيس العاطفية. وصف الرّسول بولس شعب تلك الثّقافة أنّهم "بلا عهد ولا حنوّ ولا رضًى ولا رحمة" (رو 1: 31). لم يمارسوا المحبّة والغفران والرّحمة والحنان. كانوا قساة شرسين. لم ترفّ جفونهم لمشهد الوحوش المفترسة تمزّق أجساد النّاس بل رجّ الفضاء بهتافاتهم الهستيريّة. لم تدمع عيونهم وهم يطرحون الأطفال للموت في الغابات. إلى هذه الثّقافة الدمويّة جاء المسيح "يتحنّن" على الجموع المرميّة بدون شفقة. شخصيّة مختلفة! يشفي المريض، ويلمس الأبرص، ويضع يده على عين الأعمى فيبصر، ويبكي على قبر لعازر، ويبارك الأطفال، ويغفر لصالبيه.

أنقذ يسوع أتباعه من الوحشيّة المستشرية نافخًا فيهم روح الرّحمة والرّأفة. ذهب المسيحيّون الأوائل إلى الحقول والغابات لإنقاذ الأطفال المرميّين للموت. كان حنانهم واحداً من ميزات الدّين الجديد المباركة في القرن الأوّل الميلادي، فانجذب عشرات الآلاف من النّاس إلى الكنائس. هل يمتلك المسيحيّون اليوم هذا الحنوّ نفسه الّذي كان في المسيح؟ هل ثمّة "حنين" في أذهانهم وقلوبهم لإنقاذ النّاس من أوضاعهم المزرية، ومن خطاياهم؟

الحنين الى ربح النفوس ينبع من أحاسيس المسيح  ويصبّ في أفعاله. يمتلك المسيحيون "أحشاءه"، ويتبنّون مواقفه من النّاس حين يدرسون الأناجيل الأربعة ويتشبّعون من النّظر إلى مثاله. كم من إنسان آمن بالمسيح وصار خادماً له لأن مسيحيًّا حقيقيًّا "تحنّن" عليه.

ما فعله يسوع، من التجسّد حتى موت الصليب، يُذيب القلوب بالمحبّة. ترك السّماء، افتقر، تواضع بلا حدود، تحمّل الخيانة، غفر للمسيئين إليه، تصبّب عرقه كقطرات دم في جثسماني، تعذّب على الصليب. لا يمكن لإنسان التحدّث عن قصّة المخلِّص دون أن يتحرّك فيه شيء. أعلن الرّسول بولس، "إنّ لي حزنًا عظيمًا، ووجعًا في قلبي لا ينقطع، لأجل إخوتي أنسبائي حسب الجسد" (رو 9: 1-3). هذا هو الحنين إلى ربح النفوس. هذا ما فعله يسوع، "لما رأى الجموع، تحنّن عليهم". وهذا ما يجب أن يظهر في تابع المسيح: محبّة عارمة، غمر من الحنان، تسليم مقدس، وخدمة مضحيّة راضية.

ينبغي على المسيحي أن يصلّي قائلًا: "إجعلني يا ربّ لغيري. فترى الناس نور محبّتك وحنانك يشعّ مني، ويرجع الخطاة إليك، ويمجدوك". المسيحيّ الّذي لا يشعّ بالحنان والشّفقة على حاجات الآخرين يُغلق باب الرّحمة والخلاص عن "المتعبين والثقيليّ الأحمال"، فلا يربحهم للمسيح، ولا يتمّم إرساليّته المقدّسة.

الموضوع:
العدد:
السنة: