العمل الطبي المسيحيّ: نموذج المسيح الشّافي

العدد:
السنة:

نتمتّع في لبنان بخدمات طبيّة متقدّمة لسبب وجود مدارس ومراكز طبيّة وتمريضيّة وصيدلانيّة مميّزة. إلّا أنّ الناس ما زالوا يُعانون أمام المستشفيات والمراكز الطبيّة الخاصّة بسبب فاتورة الإستشفاء بالوقت الذي تُقدّم المراكز الحكوميّة خدمات محدودة بقدرات متواضعة. حالنا بذلك حال معظم دول العالم الثالث حيث القطاع الصحّيّ العام يحتاج لدعم كبير ليستطيع أن يؤمّن خدمات لائقة لجميع المواطنين. هنا يأتي دور المستوصفات والجمعيّات الطبيّة الخيريّة التي تجتهد بمبادرات خاصّة لخدمة المحتاجين. نأمل في عهد فخامة الرئيس العماد ميشال عون أن نرى نقلة نوعية في مجال تقديم الخدمات الطبيّة الحكوميّة تُريح كاهل الكنيسة والجمعيّات الخيريّة.

العمل الطبّي المسيحيّ في التاريخ

لقد درجت الكنيسة منذ بدايتها إلى الإلتفات إلى المرضى والعجزة والمعوزين. وافتتحت الكنيسة الكاثوليكيّة مستشفى أوتيل ديو بباريس في العام 651 م لمساعدة المرضى. وكان لمسيحيّين مُجلّين أدوارًا بارزة في تأسيس العمل الطبّي والإنسانيّ المعاصر. فها فلورانس نايتنجايل (1820-1910) تشقّ الطريق لعمل الممرّضات الحديث. وقام معاصرها هنري دونان بتأسيس الصليب الأحمر لخدمة جرحى الحروب (1828-1910). وافتتحت الإرساليّة الإنجيليّة الأميركيّة مستشفاها في بيروت في العام 1872. وما زالت الكنيسة وجمعيّاتها الإنسانيّة الخيريّة - ومنها جمعيّة HOME - الى يومنا هذا تعتني بالمرضى إيمانًا منها أنّه لا يجوز الإهتمام بالجانب الرّوحي دون الإهتمام بالجانب الصحّي للإنسان.

لا بدّ من القول أن الأطباء والممرضين المؤمنين بالمسيح يقومون بخدمتهم لأخيهم المريض من جراء اتّباعهم للمسيح وتشبّهًا به وهو الذي قال: "أَرْسَلَنِي (الله) لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ" وكان يجول "يَصْنَعُ خَيْرًا وَيَشْفِي جَمِيعَ الْمُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ إبليس." وهكذا سار كثيرون في خطى المسيح يصنعون الخير ويمدّون يمين الشفاء للمتألمين.

المسيح الإله الشافي

لا بدّ من التذكير أن قدماء اليونانيين آمنوا بأنّ إله الطبّ هو "أسكليبيوس" Asclepius إبن إله طبيب اسمه "أبولو" Apollo، وكانت عبادته منتشرة في العالم القديم بشكل كبير منذ العام 300 ق م. وكان النّاس يقصدون معابد  الالهين لطلب الشفاء ومعرفة طالعهم! أمّا بطرس الرسول فأكّد لكرنيليوس الضابط الرومانيّ أنّ "الإله الشّافي" ليس سوى المسيح يسوع الّذي جاء إلى الأرض، وجال بين النّاس، يعمل خيرًا و"يشفي" المحتاجين إلى شفائه، مُظهِرًا أنّه سيّد البشريّة والطبيعة، الّذي قال: "فَإِنِّي أَنَا الرّب شَافِيكَ." وبذلك يكون المسيح قد تمّم النبوة القائلة عنه، أنّه، متى أتى، "يشفي جروحنا".

ونقرأ عن المسيح أنّه "شَفَى كَثِيرِينَ كَانُوا مَرْضَى بِأَمْرَاضٍ مُخْتَلِفَةٍ." وهو شفى العمي، وجعل الصّم يسمعون وأقام المُقعَد، وأبرأ الرجل الأبرص. وشفى المُصابين بالحمّى، وأوقف نزف الدم، وأعاد الحياة إلى يد يابسة، وأعاد أذن رجل قطعها بطرس بسيفه، وأبرأها ولحمها برأسه، وشفى أيضًا مرضى الأعصاب "وَلَمَّا صَارَ الْمَسَاءُ قَدَّمُوا إِلَيْهِ مَجَانِينَ كَثِيرِينَ، فَأَخْرَجَ الأَرْوَاحَ بِكَلِمَةٍ، وَجَمِيعَ الْمَرْضَى شَفَاهُمْ، لِكَيْ يَتِمَّ مَا قِيلَ بِإشعياء النَّبِيِّ الْقَائِلِ: هُوَ أَخَذَ أَسْقَامَنَا وَحَمَلَ أَمْرَاضَنَا."

شفاء يهدف إلى خلاص الإنسان

نلاحظ أن المسيح، الطبيب الشافي، لم يكن يشفي فقط من أجل الشفاء، بل لدعم كرازته ولردّ الكثيرين إلى البرّ، "فَالْجُمُوعُ إِذْ عَلِمُوا تَبِعُوهُ، فَقَبِلَهُمْ وَكَلَّمَهُمْ عَنْ مَلَكُوتِ اللهِ، وَالْمُحْتَاجُونَ إِلَى الشِّفَاءِ شَفَاهُمْ." إذًا، لقد كانت الخدمة الإنسانيّة، عنده، مرتبطة بالكرازة والتعليم، على عكس ما يحصل اليوم في الكثير من مراكز الاستشفاء المسيحيّة. أمّا "يَسُوعُ (فكان) يَطُوفُ كُلَّ الْجَلِيلِ يُعَلِّمُ فِي مَجَامِعِهِمْ، وَيَكْرِزُ بِبِشَارَةِ الْمَلَكُوتِ، وَيَشْفِي كُلَّ مَرَضٍ وَكُلَّ ضَعْفٍ فِي الشَّعْبِ." وكان هدفه إذاعة البشارة لخلاص الناس والتزامهم به: "فَذَاعَ خَبَرُهُ فِي جَمِيعِ سُورِيَّةَ. فَأَحْضَرُوا إِلَيْهِ جَمِيعَ السُّقَمَاءِ الْمُصَابِينَ بِأَمْرَاضٍ وَأَوْجَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ، وَالْمَجَانِينَ وَالْمَصْرُوعِينَ وَالْمَفْلُوجِينَ، فَشَفَاهُمْ. فَتَبِعَتْهُ جُمُوعٌ كَثِيرَةٌ مِنَ الْجَلِيلِ وَالْعَشْرِ الْمُدُنِ وَأُورُشَلِيمَ وَالْيَهُودِيَّةِ وَمِنْ عَبْرِ الأُرْدُنِّ."

وقد أكّد يسوع أنّه عمل العجائب ليؤمن النّاس به وذلك في جوابه لتلاميذ يوحنّا المعمدان عندما كان في السجن فأرسل يسأله إن كان هو المسيح أم ينتظر آخر: "فَأَجَابَ يَسُوعُ وَقَالَ لَهُمَا: اذْهَبَا وَأَخْبِرَا يوحنّا بِمَا تَسْمَعَانِ وَتَنْظُرَانِ: اَلْعُمْيُ يُبْصِرُونَ، وَالْعُرْجُ يَمْشُونَ، وَالْبُرْصُ يُطَهَّرُونَ، وَالصُّمُّ يَسْمَعُونَ، وَالْمَوْتَى يَقُومُونَ، وَالْمَسَاكِينُ يُبَشَّرُونَ. وَطُوبَى لِمَنْ لاَ يَعْثُرُ فِيَّ."

بناء على كلّ هذا، نرى أن الكنائس والجمعيّات في عالمنا اليوم تحتاج إلى إعادة اكتشاف مثال يسوع في الخدمة، حيث كان يفعل هذا من قلب عطوف يرى حاجة النّاس الحقيقيّة إلى الخلاص وإلى العودة إلى راعيهم الصالح: "لَمَّا رَأَى الْجُمُوعَ تَحَنَّنَ عَلَيْهِمْ، إِذْ كَانُوا مُنْزَعِجِينَ وَمُنْطَرِحِينَ كَغَنَمٍ لاَ رَاعِيَ لَهَا."

وأمام المشاكل الإجتماعيّة المتفاقمة، وأمام ندرة الّذين ينخرطون بخدمة مسؤولة صحيحة،  نطلق  النداء للإنخراط في الخدمات الإنسانيّة الطبيّة والخيريّة أو لمساندتها، متذكرين دعوة الرّب "الْحَصَادُ كَثِيرٌ وَلَكِنَّ الْفَعَلَةَ قَلِيلُونَ. فَاطْلُبُوا مِنْ رَبِّ الْحَصَادِ أَنْ يُرْسِلَ فَعَلَةً إِلَى حَصَادِه." وأهم ما نقوله لهؤلاء الّذين يتعبون في خدمة المرضى والمحتاجين هو "أن تعبهم ليس باطلاً في الرّبّ"، متذكرين وعده: "وَمَنْ سَقَى أَحَدَ هؤُلاَءِ الصِّغَارِ كَأْسَ مَاءٍ بَارِدٍ فَقَطْ بِاسْمِ تِلْمِيذٍ، فَالْحَقَّ أَقُولُ لَكُمْ إِنَّهُ لاَ يُضِيعُ أَجْرَهُ".