الفشل عند الأولاد

كم نتوق كأهل ان نرى أولادنا ناجحين في كل شيء. منذ نعومة أظافرهم نحلم لهم بمستقبل باهر مليء بالنجاح والتفوق في المدرسة وباختصاص باهر في جامعة عريقة وتسلّق سلّم العمل بسرعة وتحقيق البحبوحة. ونتمنّى لهم أيضًا براعة في الهوايات، وزواج موفق، ونجاح في المجتمع وفي العلاقات، وفوق الكلّ صحة كاملة.

يبدأ أولادنا بالنمو وتبدأ المفشلات. هنا مضايقات في المدرسة، وصعوبة تعلم، ومشاكل صحية، وخيانة الأصحاب، وصعوبة التوظيف، والمنافسة الشرسة في المجتمع... الخ. فنبذل كل ما بوسعنا وطاقتنا لنحميهم منها كلها. ندافع عنهم بشراسة. ننجح أحيانا ونفشل أحيانا أخرى. وهذه الرغبة في حمايتهم أحيانا قد تزيد عن حدّها فتكون سبب خرابهم. فلو كنا ندافع عنهم في كل فشل صغير ماذا يكون مصيرهم لو تواجهوا مع مفشلات كبيرة في الحياة كالموت والأمراض أو الحروب والإفلاس والخيانة... لا سمح الله، ألم نسمع عن أشخاص أقدموا على الإنتحار هربًا من مواجهة هكذا صعوبات؟

يصعب علينا أن نتقبل حقيقة أنه قد يكون من المفيد أحيانا أن ندع أولادنا يختبرون الفشل بواقعية بدءًا بأمورهم الصغيرة منذ الطفولة. فهذا الفشل قد يساعدهم للنجاح على المستوى الأكبر في المستقبل. بينما يكون تعييشهم في صورة مثالية غير واقعية سبب دمارهم النفسي وتحطمهم وانزوائهم وعيشهم بخوف دائم.

كيف نتفاعل مع الفشل عند أولادنا؟

ان الفشل الذي يعالج بواقعية يشجع أولادنا ليكونوا مقدامين في أخذهم قرارات جريئة في مستقبلهم.

كم من مرة يختار الولد عملاً سهلاً فقط هربًا من الأعمال الصعبة التي تتحداه فقط لأنه لا يملك الشجاعة ولا الثقة بالنفس ويكون هذا الخيار سببًا في محدودية مستقبله الدائم. طبعا ليس الهدف أن يعيش أولادنا بفشل دائم بل أن يعرفوا كيف يواجهون الفشل وينتصرون ويتابعون المسيرة. هذا يحصل عندما يعرف الولد أنه محبوب بغض النظر عن نجاحه وعلاماته وتفوقه.

أيضا الفشل الذي يواجه بواقعية يعلّمهم الاستمرار والكفاح والصبر ومسامحة الذات. من الضروري أن يتعلم الولد أن الخطأ يحصل. إنه يحصل مع الكل دون استثناء. ليس من أحد معصوم من الخطأ والفشل. وحدهم الذين لا يعملون ولا ينتجون لا يختبرون الفشل ولا النجاح. لذا لا بد من أن يتعلّم الولد أن الأخطاء بمعظمها يمكن تصحيحها بدل الاستسلام. هنا دور التربية الواعية. تُشجعنا كلمات النبي ميخا: "لا تشمتي بي يا عدوتي فإن سقطت أقوم".

الفشل عند الأولاد يعلّمهم كيف يتعاملون مع الصعوبات دون أن يفقدوا الثقة بالنفس. طبعاً هذا يتوقف على الأهل. بعض الأهل عندما يفشل الولد يحطّمونه وينعتونه بكل الألقاب "مش طالع من أمرك شي" أو "أنت دائماً هكذا فاشل" أو "انظر الى فلان لماذا لا تكون مثله"... وهكذا. فبدل أن يستفيدوا من المفشلات ليعلّموه أن كل انسان لا بدّ من أن يفشل في مكان ما، وأن الأهم يبقى أن يعرف أين أخطأ وأن يُصحّح ويحاول من جديد بكل عزم وثقة. لذا لا بد أن نستفيد من كل حادثة تحصل لنساعد ولدنا ليتكيّف مع الأمر ويحاول من جديد آخذًا من الفشل حافزًا أكبر لينتصر في المرة المقبلة.

الفشل يعلّم ولدنا أنه محدود كإنسان ولا بدّ من الاتكال على الله. فيتعلّم التواضع وطلب معونة الرب. لو كانت حياتنا كلها انتصارات متتالية لغرقنا في بحر من الكبرياء. فالإنسان ميال للإعتداد بالنفس.

طبعا نحن نعلّم أولادنا (آمل هذا) لكي يكونوا مستقلين ويتكلوا على ذواتهم في كل أمر لكن دون الجنوح نحو شعور العظمة البشع. فيبقى الانسان المحدود بحاجة للرب في كل ظروف حياته. "الرب يفتح ولا أحد يُغلق ويُغلق ولا أحد يفتح". هناك فرق كبير بين الاتكال على النفس والاعتداد بالنفس.

يذكر العهد الجديد كيف أن بولس الرسول طلب أمرًا  ثلاث مرات وباء بالفشل، فقال له الرب "تكفيك نعمتي لأن قوتي في الضعف تكمل"، وهكذا تعلّم بولس كيف يتعامل مع ضعفاته. فقال "فبكلّ سرور أفتخر بالحري في ضعفاتي، لكي تحلّ عليّ قوة المسيح. لذلك أُسرّ بالضعفات والشتائم والضرورات والاضطهادات والضيقات لأجل المسيح. لأني حينما أنا ضعيف فحينئذ أنا قويّ" (2 كور 12). هذا هو سرّ عظمة بولس! هذه المعرفة إذا عرف أولادنا أبعادها تحرّرهم من كل القيود وتجعلهم أقوى في اتخاذ القرارات والمغامرة.

الفشل أمر حتمي لن يتمكن أحد من تجنبه بالمطلق لأن الحياة مليئة بالمطبّات لذلك لا يجوز أن يكون الفشل سبب في شلّ أولادنا في الحياة. هنا يأتي دورنا كأهل في الإرشاد الصحيح والاهتمام الواقعي والحوار والتشجيع. أولادنا سيختبرون المفشلات شئنا أم أبينا فلنكن حكماء في مقاربتنا للحياة ولنربيهم على مواجهة الحياة مع الرب ولنستفيد من الفرص الصغيرة لنحصّنهم في مواجهة ما هو أكبر

العدد:
السنة:
الشهر: