القديم الأيام

الموضوع:
العدد:
السنة:

في رؤى الليل، رأى النبيّ دانيال حُلمًا غامضًا. رأى وحوشًا ملحمية ذا أجنحة وعيون وقرون كثيرة تصعد من أعماقِ بحرٍ كبيرٍ لتبسط سلطانها على الأرض. وفي الرؤى، أتاه التفسير بأن الذي يراه هو نبوءة، إذ أن تلك الوحوش هي رمز للإمبراطوريات ستقوم. وفوق الوحوش، وفي وسط العروش والممالك والسلطات، وبين كل عظماء الأرض والسماء، كان هناك جالس: عرشه لهيب نار، قدامه يجري نهر عظيم، لباسه وشعره أبيضان، ألوفٌ وربوات واقفة أمامه تخدمه، ويدعى "القديم الأيام".

          في حلم دانيال هذا، كشف لنا الرّبّ بحكمة عن ميّزات من صفاته وعن إعلانات أزليّة ملخصة في اسمه الوقور المهيب: "القديم الأيام". للبعض، إن هذا الاسم هو وسادة يلقون عليها رؤوسهم ويستريحوا، وأما لِأخرين، فهذا اسم ديّانهم الذي سيقفون أمامه.

          هذا الكائن العظيم الذي رآه دانيال هو صاحب السيادة. سيادته ليست محدودة، وهو السيّد المطلق؛ كرسيّه في الوسط وفوق الكلّ. حين ما إرتفع قرن الأمبراطوريّات وشعرت بأن عظمتها قد تزايدت وأن سيادتها مطلقة، وحين تكلّمت بعظائم وحاربت قدّيسي القديم الأيام ومحبوبيه، جاء هو مخلّصًا ساحقًا تلك الوحوش ومجرّدًا إياها من سلطانها: "لِأَنَّ لِلرَّبِّ ٱلْمُلْكَ، وَهُوَ ٱلْمُتَسَلِّطُ عَلَى ٱلْأُمَمِ" (مز 22: 28). طوبى لمن يحني ركبه ويعلن الولاء له.

واسمه "القديم الأيام" يوضّح أنّ "مَخَارِجُهُ مُنْذُ الْقَدِيمِ، مُنْذُ أَيَّامِ الأَزَلِ". وهو كائن قبل أن يُدوَّن التاريخ، قبل أن يُكوَّن الإنسان، قبل أن تُنشَر السموات، وقبل الزمان ذاته. وجود الله قبل الزمن وفوقه وبعده، يُظهر لنا أنّه سرمديّ، غير مقيّد بالأوقات والأزمنة، كلّي المعرفة، لا يتغيّر مع مرور الوقت، لن يرى الموت مع سَير الأجل. ههنا أيضًا، في اسمه، وفي الصفات التي يحملها تلك، هو العزاء والحكمة لقدّيسيه. في صورة جميلة عن حلاوة عشرته، كتب أحدهم في ترنيمة:

"يخبرني عن سالف الزمان مذ رتّب من أجلي الفداء              مذ كان حلمًا كلّ ذا الكيان وجيئة الانسان للغبراء".

          ما يُعزي وما يرهب في هذا الموضوع، هو أن القديم الأيام هو الرب يسوع المسيح ذاته. في سفر الرؤيا، نقرأ أن يسوع هو القديم الأيام الّذي ظهر لدانيال في حلمه. وهو يدعوا الجميع للحياة معه، وليكونوا شركاء معه ووارثون فيه.

          في عصرنا هذا، كثيرون يقبلون وجود الله دون أن يعترفوا بأنّه يسوع المسيح هو القديم الأيام، وفيه السلطة العليا، والسيادة المطلقة، والأزليّة غير المحدودة، والحكمة اللامتناهية، والوجود الأبديّ. أمّا المرهب في صور ة"القديم الأيّام" هو أنّه ديّان البشرية جمعاء وسيقف أمامه جميع البشر في التاريخ ليُعطوا له حسابًا عن أعمالهم ونواياهم وبشكل خاص عن موقفهم منه. تُرى كيف سيُبرّر نفسه أمامه هؤلاء الّذين رفضوه؟