الكتاب المقدّس وحده

الموضوع:
العدد:
السنة:

العبارة "سولا سكربتورا" باللغة اللاتينية، وتعني الكتاب المقدّس وحده. وهي أحد الشعارات الأساسيّة لحركة الإصلاح الإنجيلي التي فيها أعلنوا إيمانهم أن الكتاب المقدس وحده هو كلمة الله، الموحى بها، المعصوم من أي خطأ، وهو دستور الحياة المسيحيَّة والمرجعية لكل عقيدة وتعليم وسلوك.

ماذا يعني "الكتاب المقدّس وحده"؟ أو ما هي المعاني المطلقة والركائز التي تقف وراء هذا الإيمان؟ الكتاب المقدّس وحده هو جوهرة الإصلاح الإنجيلي ذات الوجوه اللامعة المشعّة التي تغني النفس وتجمّل الحياة وتنير الطريق. وجوه هذه الجوهرة أو المعاني المطلقة للإيمان بمبدأ الكتاب المقدّس وحده هي خمسة:

الوجه والمعنى الأوّل: إنّ تعبير "الكتاب المقدس وحده"، يعني سيادة الكتاب المقدس على أي كتابات أخرى، مهما بلغ شأنها أو شأن كاتبها. ولأن الكتاب المقدس هو كلمة الله، فالكتاب المقدّس وحده هو كتاب ذو سلطان يرتبط بمصدره. كلمات الكتاب هي كلمات الله نفسه كما أوحى بها بالروح القدس لكتّاب الأسفار. وبالتالي هو كلمة الله بذاتها. تنفّسها الله بروحه. ويقول بولس الرسول: " كُلُّ الْكِتَابِ هُوَ مُوحًى بِهِ مِنَ اللهِ" (2تي 3: 16).

الوجه والمعنى الثاني: الكتاب المقدّس وحده هو الكتاب القانوني صاحب المرجعية القانونية المطلقة في الكنيسة المسيحيّة. الكلمة "قانونيّ" وردت في رسائل بولس، واستخدمتها الكنيسة فيما بعد حين أكدّت على قانونية الأسفار الموحى بها. المرجعية القانونية تعني المقياس أو المعيار الأساس المعتمد. لا بدّ من الإشارة هنا أيضًا الى أنّ الكنيسة ليست هي التي أعطت صفة الوحي للأسفار المقدّسة، لكنها هي التي شهدت لتلك الخاصية التي أثبت الروح القدس طبيعتها وحقيقة وجودها. فنبوءات الكتاب المقدس ليست من وضع أو تفسير الإنسان وإنما بإعلان مباشر من الله. "عَالِمِينَ هَذَا أَوَّلاً: أَنَّ كُلَّ نُبُوَّةِ الْكِتَابِ لَيْسَتْ مِنْ تَفْسِيرٍ خَاصٍّ، لأَنَّهُ لَمْ تَأْتِ نُبُوَّةٌ قَطُّ بِمَشِيئَةِ إِنْسَانٍ، بَلْ تَكَلَّمَ أُنَاسُ اللَّهِ الْقِدِّيسُونَ مَسُوقِينَ مِنَ الرُّوحِ الْقُدُسِ" (2بط 1: 21). ولهذا تستمد الكلمة المقدسة سلطانها وقانونيتها من الله صاحب السلطان والسيادة المطلقة.

الوجه والمعنى الثالث، ضرورة الكتاب المقدس. إنّ الإعلان العام في الطبيعة والأكوان عن الله، وبالرغم من أنه يعلن لنا مجد الله بطرق مختلفة، لكنه في ذات الوقت هو إعلان غير شخصي وقاصر عن أن يكون إعلانًا كافيًا. لذلك كان لابد من إعلان خاص من الله للإنسان لكي يعلن عن ذاته ويقدم للإنسان طريق الحياة. لهذا كان إعلان الكتاب المقدس نبويًّا. وقد أوحى الله بالروح القدس لرجال أتقياء أختارهم لمهمة خاصة ومعيّنة أن يسجلوا هذا الإعلان الخاص لكي يكون متاحًا للإنسان عبر العصور. تم جمع هذا الإعلان لاحقًا، بالأسفار القانونية للعهد القديم، وبعدها بالأسفار القانونية للعهد الجديد، فكان الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد. ومحور هذا الإعلان الخاص عبر التاريخ هو كلمة الله المتجسد يسوع المسيح. إنّ محورية ومركزية المسيح في الإيمان المسيحي لا تناقش. والكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد يشهد للمسيح يسوع كلمة الله المتجسد. يشير كاتب سفر العبرانيين الى إعلان الله عن ذاته في الأبن الوحيد يسوع قائلا: "الله بعدما كلّم الآباء بالأنبياء قديما كلمنا في هذه الأيام الأخيرة في ابنه ...." (عب 1: 1و2)؛ الإعلان الأخير عن الله وخلاصه للإنسان هو في شخص المسيح يسوع وحده ة بتجسده وحياته وعمل الكفّارة البديلي عنّا على الصليب وقيامته من الأموات.

الوجه والمعنى الرابع، كفاية الكتاب المقدّس. كفاية الكتاب المقدس تعني إن الكتاب المقدس كاف للإعلان عن الله وطبيعته، وعن مشيئته للإنسان، وعن طبيعة الإنسان وعلاقته بالله، وكيف لهذه العلاقة أن يعبّر عنها وتترجم فعل إيمان في طاعة وعبادة الإنسان لله وفي خدمته. أيضا الكتاب المقدس كاف في إعلانه عن كل ما يحتاج الإنسان أن يعرفه لكي ينال الخلاص في المسيح يسوع. كذلك الكتاب المقدس كاف للإعلان عن مشيئة الله فيما يختص بسلوك الإنسان وحياته.

الوجه والمعنى الخامس، وضوح وصفاء الكتاب المقدّس. أحد أهم المبادئ التفسيرية لحركة الإصلاح هو أن الكتاب المقدس يفسر ويشرح نفسه بنفسه. فهو واضح في الأمور التي تختص بالخلاص وكفاية عمل المسيح. فهل حين خلق الله الإنسان خلقه بقدرة على استقبال الإعلان الذي قدمه عن نفسه؟ أم بالروح القدس يعطي الله الإنارة الذهنية الكافية لإدراك الإعلان. يكفي القول أنّ الكتاب المقدس واضح ومفهوم لشعب الرب الذي من أجلهم ولهم قد كُتب. "لأن كل الكتاب هو موحى به من الله ونافع للتعليم والتوبيخ للتقويم والتأديب الذي في البر" (2تي 3: 16)؛ وبالرغم من أن هناك أجزاء في الكتاب المقدس يصعب فهمها يصفها بطرس "بأَشْيَاءُ عَسِرَةُ الْفَهْمِ" (2 بط 3: 16)، فإنّ وضوح الكتاب المقدس لا يعني سهولة فهمه وإنما إمكانية فهمه. مسألة الوضوح تختص بفاعليته وتأثيره. وهي وثيقة الصلة بهدفه الأصيل والرئيس وهو الشهادة لشخص المسيح يسوع. والروح القدس ينير الأذهان والضمائر لإدراك هذا الإعلان.