المراهقة الحلوة: جهاد وأمل

العدد:
السنة:

وقفت ابنتي بقربي وأنا منهمكة ببعض الواجبات المنزلية تخبرني عن اختبار جديد تعلَّمته في المدرسة، عن الفراشات. وهي طالما حاولت أن تتحدّاني بمعلومات لعلي لا أدركها فتشعر حينها بالانتصار لأنها تفوّقت علي بمعرفتها. وسألتني :"هل تعلمين لماذا تموت الفراشات التي نساعدها على التخلص من غلافها الحريري وتعيش الفراشات التي تقلع رداءها بنفسها؟" حين لم أعرف السبب أجابتني: "إن الجهد الذي تبذله الفراشة لتخرج من الشرنقة يُخرج السّم من جسمها وإذا لم يخرج هذا السّم ماتت الفراشة".

        إن جهاد الفراشة في التخلّص من سجنها يثير عطف من يراقبها. وإن رغب في مساعدتها وقص غلاف الحرير المقفل عليها برفق وأمان وساعدها على الخلاص، يكون موت الفراشة وشيكًا.

        هذه التجربة في عالم الفراشات تعلّمتها ابنتي المراهقة في مدرستها وأثارت فيّ التفكير لأعرف هل ينطبق هذا في عالمنا نحن البشر؟ فهل نحن نُخلق بخصائص داخلية تحثّنا على المضي باتجاه محدّد ومحتّم أو أن هناك عوامل خارجية تضغط علينا في الحياة فتجبرنا على أخذ خيارات معينة؟

مخيّرون أو مُسيّرون؟

        يظهر في كل يوم في حياتنا أننا نتخذ كافة الخيارات الحرة ونتصرف بناء عليها والبعض منها يكون له التّبعات ما قد يغيّر مسار حياتنا. ولكن هل هذه الخيارات حرة حقًا أم أننا مسيّرون للتصرف على نحو معيّن بفعل عوامل تتجاوز نطاق سيطرتنا؟

        بات معلومًا أن الانسان يولد ومعه خصائصه العقلية والفكرية والجسدية التي تظهر بشكل ميول ونزعات وهي تسمى بالعوامل الداخلية أو الوراثية التي لا يمكنه تغيير أي منها. وهو أيضاً يخضع لعوامل خارجية تُفرض عليه كالعائلة والبيئة ومكان السكن، ويخضع لتربية معيّنة وتحيط به ظروف مختلفة لها جميعها تأثيرات حتميّة على خياراته. ومع هذا يبقى للانسان الخيار في تسخير كل هذه العوامل باتجاه تحقيق أهدافه في الحياة وهذا ما يسمى بالارادة الحرة. ولكن ماذا يقول الكتاب المقدس حول هذا الموضوع؟ وهل يتعارض مفهوم حرية الارادة عن ما ذكرناه سابقًا؟

        يعلّمنا الوحي المقدس أن الله خلق البشر على صورته من حيث القدرة على إظهار صفاته كالمحبة والعدل وممارسة السلطة وهو يحثّنا على إطاعة وصايا الله بملء إرادتنا. فالكثير من آيات الكتاب المقدس تدل أن الارادة في يد الانسان وإلا سيكون بلا معنى ومجحفًا أن يحاسبنا الله عن قرارات اتخذناها لو لم يكن لنا الحرية في فعل ذلك. فالله بسيادته المطلقة خلق الجنس البشري مجّهز بقدرة على اتخاذا القرارات بنفسه دون أن تقدّر له أفعاله. فإن أردنا أن ننجح في مسعى معيّن يتوجب علينا بذل الجهد وتسخير كل ما لدينا من فرص وطاقات لأن فشلنا أو نجاحنا ليسا رهن القدر. إلا أنه هناك وعود مشجّعة في الاسفار المقدسة تؤكد بأن الله يعين إرادة الانسان الضعيفة وهو يتعّهد من يلتجىء إليه ويقدم النصح لمن تنقصه الحكمة في الحياة والارشاد لمن ليس له رؤية واضحة للمستقبل ويعوّض عن ظروفنا الصعبة ليعطي رجاء وأمل.

ظروف عاديّة ومستقبل مجيد

تمتلىء صفحات الكتاب المقدس في عهديه القديم والجديد بأحداث تُظهر تعاملات الله المدهشة مع البشر. فهو يختار أناس بقدرات عادية ليوكلهم بمهام غير اعتيادية. وما تلاميذ المسيح إلاّ خير مثال على ذلك. هذا يبعدنا عن الأحكام المسبقة على مستقبل الأفراد ويزيدنا رجاء بمستقبل واعد فالله يتدخل لخير أولاده.

        هذه حقيقة هامة أردت أن يدركها تلاميذي وهم مجموعة من المراهقين والمراهقات اختلفت ظروفهم الاجتماعية وأوضاعهم العائلية ومواهبهم وقدراتهم التعليمية لعلّهم يبدّلون إحباطهم بالاجتهاد وخوفهم بالرجاء فيزيد إيمانهم بالله وبنفوسهم فيتغيرون في الداخل نحو الأفضل بعد أن تعلّموا أنهم لا بدّ أن يحملوا حمل أنفسهم ويتخذوا الخيارات الصالحة ويتّكلوا على الله ويجتهدوا. فالجهاد في الحياة مع الله مكلّل حتمًا بالنجاح.